
انسداد تام بين المحامين ووهبي يضع التحكيم الملكي على طاولة النقباء
انسداد تام بين المحامين ووهبي يضع التحكيم الملكي على طاولة النقباء
دخلت أزمة المحامين ووزير العدل عبد اللطيف وهبي مرحلة دقيقة، بعدما تراجعت فرص التسوية عبر قنوات الحوار التقليدية، في وقت يستمر فيه التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية.
ووضعت قراءة نشرتها جريدة «مغرب إنتلجنس» احتمال اللجوء إلى التحكيم الملكي ضمن السيناريوهات المطروحة لإنهاء المواجهة، بعد عدم نجاح الاتصالات والوساطات السياسية في إعادة الطرفين إلى طاولة تنتج اتفاقاً قابلاً للتنفيذ.
وقررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، خلال اجتماع مكتبها المنعقد في 20 يوليوز، مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات إلى إشعار آخر، مع الإبقاء على حالة التعبئة مفتوحة ضد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة.
ويستمر التوقف المفتوح بصيغته الحالية منذ يونيو، بينما تعود جذور الأزمة إلى بداية السنة، حين خاض المحامون سلسلة من الإضرابات والوقفات قبل تعليقها مؤقتاً إثر تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش والاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة الخلافات.
غير أن الهدنة لم تصمد طويلاً. واصل مشروع القانون مساره داخل البرلمان، وعاد المحامون إلى الاحتجاج بعدما اعتبروا أن الصيغة المعتمدة لم تحترم التوافقات السابقة ولم تستجب لاعتراضاتهم المرتبطة باستقلال المهنة وحصانة الدفاع.
ويقول المحامون إن النص يمس الاستقلال التنظيمي لهيئاتهم واختصاصاتها المؤسساتية، ويعيد توزيع عدد من الصلاحيات بطريقة تضعف التنظيم الذاتي للمهنة. كما يعترضون على مقتضيات تتعلق بالولوج والتكوين والتأديب وتدبير أموال الغير وضبط الجلسات.
في الجهة المقابلة، تقدم وزارة العدل المشروع باعتباره نتيجة مسار تشاوري طويل وورشاً ضرورياً لتحديث المهنة وتقوية ضماناتها. وهكذا أصبح كل طرف يتحدث عن الحوار نفسه، لكن بذاكرة مختلفة تماماً.
الوزارة تعتبر أن المشاورات استُنفدت وأن المشروع عبر المؤسسات المنتخبة، بينما ترى جمعية الهيئات أن النسخة النهائية وصلت إلى البرلمان بعدما فقدت جزءاً من التوافق الذي أُنتج خلال الاجتماعات السابقة.
إنه حوار أصم بكل المقاييس: وزير يشرح أن الإصلاح اكتمل، ومحامون يؤكدون أن المشاورة الحقيقية لم تكتمل. وبين الطرفين، أصبح القانون أكثر تقدماً داخل المسطرة التشريعية من قدرته على كسب ثقة المهنة التي سيطبق عليها.
ولم تنجح وساطة رئيس الحكومة في إنتاج حل دائم. فقد ساعد تدخله في فبراير على تعليق جولة سابقة من الإضراب، لكن الأزمة عادت بصورة أقوى، فيما لم تُترجم الاتصالات الأخيرة إلى تنازلات معلنة من وزارة العدل أو قرار مهني باستئناف العمل.
وبعد استكمال المشروع مساره البرلماني، أحاله رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية لفحص مدى مطابقته للدستور. وهذه الخطوة لا تعني أن الحكومة أحالت النص، كما لا تعني أن الأزمة أصبحت في طريقها الآلي إلى النهاية.
فالمحكمة الدستورية ستفصل في دستورية مواد المشروع، وليس في جودة الحوار الذي سبق إعداده أو مستوى ثقة المحامين في وزارة العدل. وقد تجيز النص كلياً أو تتحفظ على بعض مواده، لكن قرارها لن يصنع بمفرده مصالحة مهنية وسياسية.
المشروع دخل المحكمة الدستورية، أما أزمة الثقة فبقيت في ممرات المحاكم. الرقابة الدستورية تستطيع فحص النص، لكنها لا تستطيع إجبار طرفين فقدا القدرة على سماع بعضهما على استعادة الحوار.
وفي ظل هذا الانسداد، نوقش داخل اجتماع جمعية هيئات المحامين احتمال مراسلة الديوان الملكي والتماس التحكيم الملكي. كما عبر مسؤولون مهنيون، بينهم نقيب هيئة المحامين بالرباط، عن انفتاحهم على هذا الخيار إذا اعتمدته الجمعية بصورة مؤسساتية.
ولم يصدر إلى حدود الآن قرار رسمي بطلب التحكيم الملكي، ما يجعل الخيار جزءاً من النقاش الداخلي وليس خطوة إجرائية منجزة. كما أنه لا يمثل مرحلة عادية من مراحل التشريع، بل التماساً سياسياً ومؤسساتياً استثنائياً لإنهاء أزمة استعصت على الوسطاء.
ويستند طرح هذا الخيار إلى المكانة الدستورية للملك باعتباره الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة والضامن لحسن سيرها. غير أن مجرد وصول نزاع مهني إلى هذه المرحلة يكشف حجم العجز الذي أصاب قنوات الحوار الحكومي.
فالتحكيم الملكي يمكن أن يفتح مخرجاً استثنائياً، لكنه لا ينبغي أن يصبح التعويض الدائم عن فشل الوزراء ورؤساء المؤسسات في إدارة الخلاف. وإذا انتهت كل وساطة حكومية إلى انتظار تدخل أعلى سلطة في البلاد، فإن الحكومة تكون قد حولت عجزها عن التوافق إلى ملف جديد فوق طاولة الملك.
وفي انتظار المخرج، يدفع المتقاضون الثمن. فتوقف خدمات الدفاع وتعليق المساعدة القضائية يؤديان إلى تأجيل الملفات وزيادة الضغط على المحاكم، ويؤثران بصفة خاصة في المعتقلين والأسر محدودة الدخل والأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل كلفة المحامي.
ولا يجوز استعمال معاناة المواطنين لتبخيس مطالب المحامين، كما لا ينبغي ترك الاحتجاج مفتوحاً دون آليات تحمي القضايا المستعجلة وحقوق الفئات الهشة. فاستقلال الدفاع واستمرارية العدالة ليسا خصمين، بل شرطان متكاملان لدولة القانون.
لقد تجاوز الخلاف مضمون مشروع القانون وأصبح مواجهة حول الثقة والاعتراف المتبادل. الوزارة تريد قانوناً تعتبره حديثاً، والمحامون يريدون ضمانات تحمي استقلالهم، بينما يريد المواطن فقط عدالة لا تغلق أبوابها كلما فشل السياسيون والمهنيون في الاتفاق.
التحكيم الملكي دخل حسابات الأزمة، لكنه لم يتحول بعد إلى قرار. وإذا أصبح المخرج الوحيد، فسيكون الحل في الوقت نفسه شهادة قاسية على حوار حكومي استهلك شهوراً وانتهى بلا اتفاق.







