
تراجع أسعار المحروقات بالمغرب.. هل هو انفراج حقيقي؟
تراجع أسعار المحروقات بالمغرب.. هل هو انفراج حقيقي؟
في مشهد بدا وكأنه خبر سار طال انتظاره، سجّلت أسعار المحروقات بالمغرب أول تراجع لها منذ شهور طويلة، حيث انخفض سعر الغازوال بحوالي درهم واحد للتر، فيما تراجع سعر البنزين الممتاز بشكل طفيف. لحظة قصيرة من الارتياح، نعم… لكنها سرعان ما تحوّلت إلى تساؤل ثقيل: هل نحن أمام بداية انفراج حقيقي أم مجرد استراحة عابرة في مسلسل الارتفاعات؟
الواقع، كما يراه المتتبعون، لا يسمح بالكثير من التفاؤل. فهذه الخطوة التي بدت في ظاهرها إيجابية، لا تعدو أن تكون “انفراجاً محدوداً”، لا يعكس تحوّلاً جذرياً في السوق، بل فقط تفاعلاً ظرفياً مع تراجع نسبي في الأسعار الدولية، بعد موجة من التوترات الجيوسياسية التي هزّت سوق الطاقة العالمية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
المغرب، الذي لا ينتج النفط، يعيش على إيقاع الخارج. كل اضطراب هناك، يتحوّل هنا إلى ضغط مباشر على جيوب المواطنين. الاعتماد شبه الكلي على استيراد المحروقات يجعل الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات لا يتحكم فيها، من قرارات كبار المنتجين إلى صراعات لا يد له فيها. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الحلقة الأضعف.
في الأشهر الماضية، لم تكن الزيادات في أسعار المحروقات مجرد أرقام على لوحات محطات الوقود، بل كانت شرارة مباشرة لارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
كل شيء تقريباً تأثر: من الخضر في الأسواق إلى خدمات النقل، ومن تكلفة التصنيع إلى أسعار المواد الأساسية. النتيجة كانت واضحة: موجة تضخم صامتة، لكنها موجعة، أنهكت القدرة الشرائية، وعمّقت الإحساس بالاختناق الاقتصادي لدى فئات واسعة من المغاربة.
ورغم أن الحكومة حاولت التدخل عبر إجراءات دعم وتخفيف، إلا أن تلك التدخلات بدت، في نظر الكثيرين، أقل من حجم الصدمة. فالفجوة بين ما ارتفعت به الأسعار وما تم تعويضه ظلت كبيرة، بل ومحبطة أحياناً. وكأن المواطن يُطلب منه أن يتأقلم مع الغلاء، لا أن يُحمى منه.
هذا التراجع الأخير، مهما بدا مرحباً به، لا يغيّر قواعد اللعبة. فالسوق الدولية ما تزال غير مستقرة، والتوترات الجيوسياسية لم تُحل، بل تتجدّد بأشكال مختلفة. وكل تصعيد هناك، كفيل بأن يعيد الأسعار إلى الارتفاع هنا… وربما بشكل أسرع مما يتوقعه الجميع.
في العمق، تبدو الأزمة أكبر من مجرد ارتفاع أو انخفاض في الأسعار. إنها أزمة نموذج اقتصادي يعتمد على الخارج دون أدوات كافية للحماية. ومع كل أزمة، يتكرر نفس السيناريو: ارتفاع مفاجئ، تدخل محدود، ثم انتظار انفراج خارجي.
ووسط هذا المشهد، يطرح سؤال غير معلن نفسه بإلحاح: إلى متى سيظل المواطن المغربي يتحمل كلفة تقلبات لا علاقة له بها؟ وإلى أي حد يمكن لهذا “الانفراج المؤقت” أن يُقنع الشارع بأن الأمور تحت السيطرة؟
الأكيد أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات. فأسعار المحروقات لم تعد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت مؤشراً حساساً على توازن اجتماعي هش، يمكن أن يهتز عند أول موجة ارتفاع جديدة.
اقرأ أيضاً:







