
برادة يطارد الغش في القاعات.. والأسئلة تطارد صفقات الأجهزة
برادة يطارد الغش في القاعات.. والأسئلة تطارد صفقات الأجهزة
وجدت وزارة التربية الوطنية نفسها في قلب موجة جديدة من الانتقادات بعد الجدل الذي رافق استعمال أجهزة الكشف عن الهواتف خلال امتحانات الباكالوريا، وهي الأجهزة التي كان يفترض أن تشكل سلاحاً حاسماً في مواجهة الغش، قبل أن تتحول إلى مادة للنقاش والسخرية داخل الأوساط التعليمية وبين أولياء التلاميذ.
فبينما كانت الوزارة تراهن على إظهار حزمها في محاربة الغش، بدا المشهد في بعض المراكز أقرب إلى استعراض تقني لم يحقق النتائج المنتظرة. أجهزة وُضعت عند أبواب المؤسسات، وحملات تفتيش مكثفة، وأجواء استثنائية رافقت الامتحانات، لكن النتيجة التي يتحدث عنها منتقدو العملية هي أن عدداً من الهواتف عبر دون أن تلتقطه تلك الأجهزة التي قدمت باعتبارها حلاً متطوراً للمشكلة.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة أسئلة محرجة حول صفقة اقتناء هذه المعدات، خاصة في ظل غياب معطيات واضحة بشأن تكلفتها الحقيقية والشركة المستفيدة منها والمعايير التي اعتمدت في اختيارها. فكلما ارتفع حجم الإنفاق العمومي على مشروع ما، ارتفعت معه الحاجة إلى الشفافية وتقديم الأجوبة للرأي العام.
الانتقادات لم تتوقف عند حدود النجاعة التقنية، بل امتدت إلى الطريقة التي جرى بها تدبير العملية داخل عدد من مراكز الامتحان. فالتلاميذ الذين قضوا أشهراً في الاستعداد للامتحانات وجدوا أنفسهم أمام أجواء مشحونة بالتوتر والتفتيش المتكرر، في وقت كان المطلوب فيه توفير الحد الأدنى من التركيز والهدوء النفسي.
وفي بعض الحالات، أدى استعمال هذه الأجهزة إلى تأخير انطلاق الاختبارات، ما تسبب في ارتباك داخل قاعات الامتحان وأثار استياء عدد من المترشحين الذين اعتبروا أن الدقائق التي ضاعت في إجراءات التفتيش لا تقل أهمية عن الدقائق التي يقضونها في الإجابة عن الأسئلة.
المفارقة التي أثارت الكثير من التعليقات أن الوزارة بدت وكأنها دخلت معركة تكنولوجية بأسلحة لم تثبت بعد قدرتها على حسم المواجهة. فالغش يتطور باستمرار، لكن محاربته لا تكون فقط عبر اقتناء معدات جديدة أو رفع منسوب التفتيش، بل من خلال اعتماد حلول فعالة ومدروسة تحافظ في الوقت نفسه على مصداقية الامتحانات وكرامة التلاميذ.
ومع تصاعد المطالب بفتح تحقيق في ظروف اقتناء هذه الأجهزة وتقييم مردوديتها الحقيقية، تجد وزارة التربية الوطنية نفسها مطالبة بتقديم توضيحات دقيقة حول النتائج التي حققتها هذه التجربة. فمحاربة الغش هدف لا يختلف حوله أحد، لكن إنفاق المال العام على وسائل محدودة الفعالية يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول الحكامة ونجاعة التدبير.
وفي انتظار كشف تفاصيل أوفى بشأن هذه الصفقة، يبقى الدرس الأبرز أن نجاح أي إجراء لا يقاس بحجم الضجيج الذي يرافقه، بل بقدرته على تحقيق الهدف الذي أُحدث من أجله. أما إذا كانت الهواتف تمر والأجهزة تتفرج، فإن المشكلة تنتقل من الغش إلى طريقة محاربته.







