
حرب صلاحيات بين مزور وزيدان على قيادة الاستثمار الصناعي
حرب صلاحيات بين مزور وزيدان على قيادة الاستثمار الصناعي
تعيش أروقة الحكومة على إيقاع تنازع صامت في الصلاحيات بين وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، والوزير المنتدب المكلف بالاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية كريم زيدان، حول الجهة التي يفترض أن تقود المفاوضات مع الشركات الأجنبية الكبرى وتواكب مشاريعها في المغرب.
ولا يتعلق الخلاف المثار بملفات إدارية صغيرة، بل باستثمارات استراتيجية في صناعة السيارات والبطاريات الكهربائية والهيدروجين والطاقات الجديدة، وهي قطاعات تتنافس دول عديدة على استقطابها بما توفره من تحفيزات وعقار وبنيات تحتية وسرعة في اتخاذ القرار.
وبحسب معطيات صحافية منسوبة إلى مصادر حكومية، يعتبر كل وزير أن موقعه يجعله المخاطب الطبيعي للمستثمر الأجنبي. فمزور ينطلق من اختصاص وزارته في إعداد وتنفيذ السياسة الصناعية ومواكبة المنظومات الإنتاجية، بينما يستند زيدان إلى إشرافه على الاستثمار وتنزيل الميثاق الجديد وضمان الالتقائية بين القطاعات الحكومية.
ويظهر من الناحية الإدارية أن الاختصاصين متكاملان. وزارة الاستثمار تستقبل المشروع وتنسق مساره وتحدد التحفيزات الممكنة، فيما تتولى وزارة الصناعة دراسة حاجياته التقنية وإدماجه في النسيج الإنتاجي. غير أن الحدود تصبح أقل وضوحاً عندما يتعلق الأمر بشركة دولية تبحث عن موقع لإنشاء مصنع ضخم.
في هذه المرحلة، يبدأ السباق على من فتح باب التفاوض، ومن أقنع المستثمر، ومن أعد العرض المغربي، ومن رافق المشروع، ومن يحق له الظهور إلى جانب مسؤولي الشركة عند إعلان الاستثمار.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن مؤشرات التوتر ظهرت خلال اجتماعات حكومية خصصت لملفات الاستثمار والقطاعات الأكثر جاذبية لرؤوس الأموال الأجنبية، بعدما برز اختلاف في تقييم الجهة التي تقف وراء النتائج المسجلة في استقطاب عدد من المشاريع.
ويعتبر رياض مزور، وفق المصادر نفسها، أن وزارته كانت وراء فتح مشاورات مع مجموعات صناعية دولية وإعداد عروض تستند إلى إمكانات المغرب في قطاعات السيارات والطيران والبطاريات والنسيج والصناعات الغذائية.
ويستند هذا الموقف إلى أن المستثمر الصناعي لا يبحث عن التحفيزات المالية فقط، بل يحتاج إلى العقار والطاقة واليد العاملة والموردين المحليين والبنيات اللوجستيكية، وهي عناصر تقع وزارة الصناعة في قلب عملية تنسيقها.
في المقابل، يتمسك كريم زيدان بأن قطاعه هو صاحب الاختصاص الأفقي في الاستثمار، وأن النتائج المحققة ترتبط بتفعيل ميثاق الاستثمار وتبسيط مسار المستثمر وربط المركز بالجهات والمؤسسات المتدخلة.
ويعتبر زيدان أن استقطاب رؤوس الأموال لا يمكن أن يبقى موزعاً بين الوزارات القطاعية، لأن المستثمر يحتاج إلى مخاطب حكومي يقوده عبر مختلف المراحل، بدل إحالته من إدارة إلى أخرى كلما انتقل ملفه من التحفيز إلى العقار أو التمويل أو الترخيص.
ولا توجد إلى حدود الساعة تصريحات رسمية متبادلة تؤكد تحول التباين إلى مواجهة مفتوحة. كما ظهر الوزيران في مناسبات اقتصادية مشتركة، وشاركا في الترويج للعرض المغربي أمام فاعلين دوليين، ما يؤكد استمرار التعاون المؤسساتي في الواجهة.
لكن وجود التعاون العلني لا يلغي مشكلة تداخل الاختصاصات. فكلما غابت خريطة واضحة تحدد من يستقبل المستثمر ومن يقود التفاوض ومن يتابع التنفيذ، تحولت الالتقائية من مبدأ حكومي إلى مساحة يتنافس داخلها الوزراء على الملفات والنتائج.
ولا يحتاج المستثمر الأجنبي إلى وزيرين يتسابقان لشرح العرض المغربي، بل إلى مخاطب واحد يقدم جواباً واضحاً وملزماً باسم الدولة. كما لا يحتاج إلى مقترحين حكوميين مختلفين أو وعود لا يعرف أي جهة تملك صلاحية تنفيذها.
وقد تكون كلفة هذا التنازع أكبر من خلاف شخصي بين مسؤولين. فازدواجية التواصل قد تؤخر تسوية الملفات، وتربك الشركات الأجنبية، وتخلق اختلافاً في التحفيزات والالتزامات المقترحة، خصوصاً عندما تكون الدولة في سباق مع بلدان أخرى لاحتضان المشروع نفسه.
فالاستثمارات المرتبطة بالبطاريات والسيارات الكهربائية والهيدروجين لا تنتظر طويلاً. الشركات تقارن بين الدول وفق سرعة القرار ووضوح المسطرة واستقرار الالتزامات، وأي ارتباك حكومي يمنح المنافسين فرصة لتقديم عرض أكثر بساطة.
كما أن النزاع حول نسب الإنجاز يهدد بإضعاف مبدأ الالتقائية الذي تحمله وزارة زيدان في اسمها، ويضع وزارة مزور أمام صعوبة الدفاع عن مسؤوليتها القطاعية إذا انتقلت قيادة المشروع الصناعي بالكامل إلى قطاع الاستثمار.
ولا يكمن الحل في توسيع صلاحيات وزير على حساب الآخر، بل في تحديد مسار موحد للمشروع منذ الاتصال الأول إلى بداية الإنتاج. ويمكن لرئاسة الحكومة أن تفصل بين قيادة العلاقة مع المستثمر والقيادة التقنية للملف، مع إنشاء فريق مشترك يتحدث باسم واحد ويلتزم بجدول زمني معلوم.
كما يحتاج المغرب إلى قاعدة موحدة للمشاريع الاستثمارية تمنع تعدد القنوات والمقترحات، وتحدد بوضوح المسؤول عن كل مرحلة والآجال اللازمة لاتخاذ القرار. عندها يصبح نجاح المشروع نتيجة حكومية مشتركة، لا غنيمة تواصلية يبحث كل قطاع عن وضع اسمه عليها.
لقد حقق المغرب تقدماً في جذب مشاريع صناعية كبرى، لكن الحفاظ على هذه الدينامية يتطلب حكومة تعمل بمنطق الفريق. فالاستثمار ليس مسابقة لتحديد الوزير الذي التقط الاتصال الأول أو ظهر في الصورة الأخيرة، بل مسار طويل تقاس نهايته بالمصنع الذي دخل الإنتاج ومناصب الشغل التي أُحدثت والقيمة التي بقيت داخل الاقتصاد الوطني.







