
الخطوط الملكية المغربية.. رحلة نحو الفوضى بامتياز
الخطوط الملكية المغربية.. رحلة نحو الفوضى بامتياز
تحولت الخطوط الملكية المغربية، التي كانت يومًا رمزًا للسيادة الجوية المغربية، إلى عنوان متكرر للأزمات والتذمر، بعدما صار اسم الشركة يرتبط أكثر بالتأخيرات والفوضى وضعف الخدمات، بدل صورة الناقل الوطني الذي يُفترض أن يعكس واجهة البلاد في السماء.
خلال السنوات الأخيرة، تراجعت صورة “لارام” بشكل لافت، ليس فقط لدى المسافرين المغاربة، بل حتى داخل السوق الإفريقية والدولية التي كانت الشركة تراهن عليها لتوسيع نفوذها. فالمسافر الذي كان ينتظر رحلة مريحة وخدمة محترمة، صار يعتبر الوصول في الموعد إنجازًا يستحق الاحتفال أكثر من الرحلة نفسها.
الأزمة لم تعد مرتبطة بحوادث معزولة أو ضغط موسمي، بل أصبحت تعكس، بحسب متابعين، اختلالًا أعمق في التسيير والتدبير. سوء إدارة، ارتباك تنظيمي، وضعف في التخطيط، كلها عوامل حولت الشركة إلى ما يشبه طائرة ضخمة تُحاول الإقلاع بمحرك سياسي أكثر من محرك اقتصادي.
السخرية هنا أن الخطوط الملكية المغربية تُقدَّم دائمًا كمشروع استراتيجي وواجهة وطنية، لكن الواقع يجعل كثيرًا من المسافرين يشعرون وكأنهم داخل تجربة “مغامرة جوية غير مضمونة”. فالتذاكر ترتفع، والخدمات تنخفض، والتواصل مع الزبائن يبدو أحيانًا وكأنه تدريب على الصبر الجماعي.
وفي مقابل هذا التراجع، تقلصت الحصة السوقية للشركة بشكل واضح خلال العقد الأخير، وسط منافسة قوية من شركات طيران أجنبية ومنخفضة التكلفة، استطاعت جذب المسافرين عبر خدمات أوضح وأسعار أكثر استقرارًا. بينما ظلت “لارام” عالقة بين خطاب الطموح الإفريقي وواقع يومي مرتبك في المطارات.
المثير أكثر أن الشركة، رغم كل الصعوبات، استمرت في الاعتماد على تدخلات الدولة لإنقاذها من أزماتها المالية المتكررة. ملايين الدولارات ضُخت في خزينة الشركة على مراحل، في محاولات متتالية لتفادي السقوط الكامل. لكن المشكلة أن الدعم العمومي، بدل أن يتحول إلى فرصة لإعادة الهيكلة، بدا أحيانًا وكأنه مجرد أوكسجين مؤقت يؤجل الأزمة بدل حلها.
غياب المحاسبة بدوره حاضر بقوة في هذا الملف. فكلما ظهرت أزمة جديدة، يُفتح النقاش لبضعة أيام، ثم يعود كل شيء إلى نقطة الصفر، دون مساءلة حقيقية حول أسباب التراجع أو الجهات المسؤولة عن القرارات التي أوصلت الشركة إلى هذا الوضع. وكأن الخسائر في قطاع الطيران تُعتبر “مطبات هوائية” عادية لا تستدعي فتح الصندوق الأسود.
حتى تدبير الأسطول والموارد البشرية لم يسلم من الانتقادات، حيث تتحدث تقارير ومتابعات عن صعوبات مرتبطة بالطيارين والتخطيط التشغيلي، ما ساهم في تعميق الفوضى داخل بعض الرحلات والخطوط. وهكذا، تجد الشركة نفسها في معركة يومية مع التأخيرات والإلغاءات، بينما المسافر المغربي يكتشف أن “رحلة الأحلام” قد تبدأ أحيانًا بساعات طويلة من الانتظار والغموض.
اللافت أن المغرب، الذي يطمح لأن يصبح منصة سياحية ولوجستية كبرى، ما زال يعتمد على ناقل وطني يعيش أزمات متكررة في التدبير والخدمة. وهو تناقض يكشف أن الطموحات الكبيرة تحتاج أولًا إلى إدارة مستقرة وفعالة، لا فقط إلى شعارات حول “الريادة الإقليمية”.
في النهاية، لا تبدو أزمة الخطوط الملكية المغربية مجرد مشكلة تقنية أو مالية، بل صورة مصغرة لطريقة تدبير بعض المؤسسات العمومية؛ دعم متكرر، محاسبة غائبة، وخدمات تتراجع رغم كل الوعود بالإصلاح. وبين طائرات تُحلّق وأرقام تهبط، يبقى المسافر المغربي هو أول من يدفع ثمن هذا الاضطراب… نقدًا ووقتًا وأعصابًا.







