
أخنوش ومخطط المغرب الأخضر.. نجاح في الخطاب وفشل في السوق
أخنوش ومخطط المغرب الأخضر.. نجاح في الخطاب وفشل في السوق
كلما اشتد النقاش حول غلاء الأسعار وأزمة الماء وتراجع القدرة الشرائية، يعود اسم عزيز أخنوش إلى الواجهة باعتباره الرجل الذي قاد لسنوات طويلة واحدًا من أكبر المشاريع الفلاحية في المغرب: “مخطط المغرب الأخضر”.
مشروع قُدم يومها كالثورة الزراعية التي ستغيّر وجه العالم القروي، لكنه تحول مع الوقت، بالنسبة لكثيرين، إلى ملف ثقيل تُطرح حوله أسئلة أكثر مما تُقدم بشأنه أجوبة.
أخنوش، الذي تولى الإشراف على القطاع الفلاحي لسنوات قبل أن ينتقل إلى رئاسة الحكومة، لم يكن مجرد متابع للمخطط، بل كان واجهته السياسية والإعلامية الأولى. ولذلك، فإن أي نقاش حول نتائج “المغرب الأخضر” يعود تلقائيًا إلى الرجل الذي وعد المغاربة بفلاحة قوية، وأسواق مستقرة، وسيادة غذائية تليق بشعار “المغرب الجديد”.
لكن الواقع الذي يعيشه المواطن اليوم يبدو أقل خضرة بكثير من الشعارات القديمة. أسعار المواد الغذائية ترتفع بوتيرة مرهقة، والطماطم صارت تُناقش في البرامج السياسية أكثر من القوانين، واللحوم الحمراء تحولت إلى مادة موسمية مرتبطة بالأعياد والمناسبات الخاصة، وكأن المواطن المغربي مطالب أولًا بتحقيق إنجاز مالي قبل التفكير في “مشوي العائلة”.
السخرية السياسية هنا أن المخطط الذي قُدم كضامن للأمن الغذائي، جعل المغرب في لحظات كثيرة يبدو وكأنه ينتج للتصدير أكثر مما ينتج للمغاربة. الأسواق الأوروبية تستفيد من الجودة والتصدير المنتظم، بينما المواطن المحلي يراقب الأسعار وهي ترتفع بسرعة أكبر من سرعة البلاغات الحكومية.
ورغم الخطابات الرسمية التي تتحدث عن النجاح والإنجازات، ظلت تقارير رسمية وملاحظات مؤسساتية تشير إلى اختلالات واضحة، سواء في تدبير الموارد المائية أو في توجيه الدعم أو في التوازن بين الفلاحة التصديرية والفلاحة المعيشية. فالنجاح الحقيقي لأي مخطط فلاحي لا يُقاس فقط بحجم الصادرات، بل بقدرة المواطن على شراء ما يُنتج داخل بلده دون أن يشعر بأنه ينافس الأسواق الخارجية على “حقه في الطماطم”.
المثير أكثر أن أزمة الجفاف الحالية أعادت النقاش حول اختيارات المخطط نفسه، خاصة في ما يتعلق بالتوسع في الزراعات المستنزفة للمياه. ففي بلد يعيش ضغطًا مائيًا متزايدًا، بدت بعض الاختيارات وكأنها تراهن على وفرة لا يملكها المغرب أصلًا. وهكذا، صار المواطن يسمع يوميًا عن الاقتصاد في الماء، بينما يرى مساحات واسعة من الزراعات الموجهة للتصدير تواصل استهلاك الموارد بشكل مكثف.
وفي الوقت الذي تسوق فيه الحكومة الحالية استمرار الرؤية الفلاحية كنجاح استراتيجي، يرى منتقدون أن جزءًا من الأزمة الاجتماعية الحالية مرتبط مباشرة بطريقة تدبير هذا القطاع خلال السنوات الماضية. فالسياسات التي ركزت على الأرقام الكبرى والاستثمارات الضخمة، لم تنجح دائمًا في حماية القدرة الشرائية أو تحقيق التوازن داخل السوق المحلية.
اللافت أن أخنوش، الذي كان يقدم نفسه كـ”رجل النتائج”، وجد نفسه اليوم يواجه نتائج مختلفة تمامًا في نظر الشارع. فالمواطن الذي يسمع عن مليارات الاستثمارات والدعم، لا يرى في النهاية سوى قفة أثقل، وفاتورة أعلى، وأسواق أقل رحمة.
وفي قلب هذا الجدل، يعود السؤال الذي يطارد كل المشاريع الكبرى في المغرب: هل كانت الأولوية فعلًا للمواطن، أم للأرقام والصور والتقارير الدولية؟ لأن الفلاح الصغير الذي ما زال يواجه الجفاف والهشاشة، والمستهلك الذي يطارد الأسعار يوميًا، لا يشعران كثيرًا بأن “المغرب الأخضر” غيّر حياتهما بالقدر الذي وُعدا به.
في النهاية، قد يكون مخطط المغرب الأخضر قد نجح في صناعة صورة براقة لسنوات، لكنه اليوم يواجه اختبار الواقع. والواقع، كما يعرف المغاربة جيدًا، لا يُقاس بعدد المؤتمرات والتقارير، بل بثمن الخضر في السوق، وبكمية الماء في السدود، وبقدرة المواطن على العيش دون أن يتحول كل دخول إلى السوق الأسبوعي إلى مغامرة اقتصادية مفتوحة.







