
وهبي وتارودانت.. خمس سنوات من البحث عن المشاريع والمدينة تنتظر
وهبي وتارودانت.. خمس سنوات من البحث عن المشاريع والمدينة تنتظر
خمس سنوات كاملة كانت كافية، وفق رواية عبد اللطيف وهبي، لفهم مشكلة مدينة تارودانت والبحث عن الإمكانيات المادية الكفيلة بإخراج مشاريعها من خانة الطموحات إلى أرض الواقع.
خمس سنوات من النقاش والحوار والدراسات انتهت، بحسب كلامه، إلى دعم مالي من أعضاء الحكومة، ومشاريع يفترض أن ترى النور «في القريب العاجل».
الوزير ورئيس المجلس الجماعي لتارودانت قدّم غيابه الجسدي عن المدينة خلال السنوات الماضية باعتباره نتيجة لانشغاله بالبحث عن الموارد والإمكانيات، مؤكداً أن وجوده شخصياً في تارودانت لم يكن سيحل الإشكال، وأن ترشحه لرئاسة المجلس كان هدفه امتلاك الصفة التي تخوله الحديث باسم المدينة والبحث عن تمويل لمشاريعها.
الرواية تبدو مرتبة من الناحية السياسية، لكن التعليقات التي رافقت تصريحات وهبي على مواقع التواصل الاجتماعي اختارت أن تقرأها بطريقة أخرى، وبسخرية مباشرة من خمس سنوات تقول فيها المدينة إنها كانت تنتظر أكثر من مجرد وعد بـ«القريب العاجل».
ففي نظر أصحاب هذه التعليقات، القضية ليست في أن رئيس المجلس كان يبحث عن التمويل، وإنما في طول المدة التي استغرقها البحث، وفي غياب نتائج ملموسة خلال الولاية الانتخابية.
إحدى أكثر التعليقات سخرية لخّصت الحكاية في خمس مراحل: الحصول على ثقة السكان ورئاسة البلدية، ثم الغياب عن شؤون المدينة طوال الولاية، قبل العودة مع اقتراب الانتخابات، وتقديم البحث عن المشاريع كتفسير للغياب، ثم إعلان أن المشاريع «قادمة» من دون تحديد موعد واضح.
السخرية هنا لم تكن مجانية. فقد جاءت انعكاساً لفجوة واضحة بين لغة المسؤول ولغة المواطن. المسؤول يتحدث عن الدراسات والنقاشات والبحث عن الإمكانيات، بينما المواطن يريد أن يعرف ماذا تغير فعلياً في المدينة خلال خمس سنوات.
تعليق آخر شبّه مدة البحث عن الإمكانيات ببحث أكاديمي يحتاج إلى سنوات طويلة، قبل أن يسخر من احتمال أن تحتاج المدينة إلى خمس سنوات إضافية للعثور على الوسائل اللازمة لتنفيذ ما تم الإعلان عنه.
وفي تعليق ثالث، اختصر أحد المتفاعلين الموقف بعبارة ساخرة مفادها أن خمس سنوات كانت مخصصة لفهم مشاكل تارودانت، وخمس سنوات أخرى قد تكون مطلوبة لعلاجها، ثم خمس سنوات إضافية لمناقشتها، لتنتهي الحكاية من دون حلول.
أما التعليق الأكثر اختصاراً فكان ربما الأكثر قسوة: «خمس سنوات لفهم تارودانت»، في إشارة إلى أن مشاكل المدينة، بحسب أصحاب هذا الخطاب، لا تحتاج إلى كل هذا الوقت حتى تصبح واضحة لمن يعيشها يومياً.
وهنا تكمن النقطة السياسية الأساسية في القصة.
لا أحد يمكنه أن يجادل في أن التمويل عنصر أساسي لإنجاز المشاريع، وأن الجماعات الترابية تحتاج إلى موارد مالية حتى تنفذ برامجها. لكن رئاسة مجلس جماعي تعني أيضاً التواصل المستمر مع السكان، وتقديم حصيلة واضحة، وشرح ما تحقق وما تعثر وما يحتاج إلى وقت إضافي.
أما تحويل خمس سنوات من الانتظار إلى مرحلة تمهيدية لمشاريع ستأتي لاحقاً، فهو خطاب يصطدم طبيعياً مع الحساب السياسي للانتخابات.
فالمواطن لا يحتسب الولاية الانتخابية بعدد الاجتماعات والدراسات والنقاشات، وإنما بما يراه في الشارع. الطريق، الإنارة، النظافة، النقل، المرافق، الاستثمار، فرص الشغل، والخدمات اليومية لا تحتاج إلى خطاب طويل حتى يفهم المواطن قيمتها.
والأكثر حساسية أن وهبي لم يتحدث عن مشاريع أنجزت بالفعل، وإنما عن دعم مالي سيظهر أثره من خلال مجموعة من المشاريع «التي ستنجز في تارودانت في القريب العاجل».
وهنا تعود الكرة إلى ملعب المجلس الجماعي.
فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة شرح أسباب الغياب، بل مرحلة تقديم النتائج. وإذا تحولت الوعود إلى مشاريع حقيقية وبدأ المواطن يرى أثرها، فإن النقاش حول السنوات الخمس الماضية سيتراجع تلقائياً أمام ما تحقق على الأرض.
أما إذا بقيت عبارة «في القريب العاجل» معلقة في الهواء، فإن السخرية التي تنتشر اليوم على مواقع التواصل ستجد لنفسها عمراً أطول من اللازم.
تارودانت لا تحتاج إلى المزيد من الوقت لفهم مشاكلها. المدينة يعرفها سكانها جيداً، ويعرفون ما ينقص أحياءها ومرافقها وشوارعها. ما يحتاج إلى سنوات ليس اكتشاف المشكلة، وإنما توفير الموارد، وحسن ترتيب الأولويات، وإنجاز المشاريع في آجال واضحة.
والانتخابات، في نهاية المطاف، لا تُخاض بالوعود وحدها. الذاكرة الانتخابية قد تكون أقصر من خمس سنوات في بعض الأحيان، لكنها تصبح دقيقة جداً عندما يتعلق الأمر بما تغير في حياة الناس.
وهبي يقول إنه قضى خمس سنوات يبحث عن الإمكانيات.
أما سكان تارودانت، فيبدو أنهم كانوا ينتظرون شيئاً أبسط: أن يروا نتائج هذا البحث.







