
العالم القروي قبل الانتخابات.. حين تتذكر الأحزاب فجأة سكان القرى
العالم القروي قبل الانتخابات.. حين تتذكر الأحزاب فجأة سكان القرى
مع اقتراب الانتخابات، يستعيد العالم القروي مكانته الخاصة في أجندة الأحزاب السياسية المغربية. فجأة تتحرك القوافل نحو الجماعات الترابية، وتعود التجمعات إلى الواجهة، وتُفتح الموائد، وتُلقى الخطب، وتوزع الوعود، فيما تتحول التصفيقات إلى موسيقى انتخابية تعرفها القرى جيداً.
المشهد ليس جديداً، بل يتكرر منذ عقود كلما اقترب موعد الاقتراع. فالأحزاب تعرف جيداً أن العالم القروي ليس مجرد امتداد جغرافي للمدن، وإنما يشكل رقماً ثقيلاً في المعادلة الانتخابية، وأن الطريق إلى البرلمان يمر في جزء كبير منه عبر الدواوير والجماعات القروية.
ولهذا، يبدأ السياسيون في استعادة علاقتهم بالمناطق التي قد لا تظهر كثيراً في أجنداتهم خلال السنوات الفاصلة بين انتخابات وأخرى. الزيارات تتكاثر، والخطب تصبح أكثر سخاءً، والوعود تخرج من الأدراج، بينما يستعيد السياسي قاموساً كاملاً من عبارات التنمية وفك العزلة وتحسين الخدمات وخلق فرص الشغل.
في العالم القروي، تبدو الانتخابات أحياناً مثل موسم تتغير فيه قواعد العلاقة بين السياسي والمواطن. المسؤول الذي يصعب الوصول إليه في الأيام العادية يصبح قريباً من السكان، والمرشح الذي لا يجد الوقت الكافي للإنصات لمشاكل الدواوير يجد فجأة متسعاً من الوقت لعقد اللقاءات وإلقاء الكلمات والتقاط الصور.
المفارقة أن كثيراً من المطالب التي تظهر في الخطابات الانتخابية ليست جديدة. الطرق، الماء، الصحة، النقل المدرسي، التعليم، التشغيل، دعم الفلاحين، وفك العزلة عن المناطق النائية، كلها ملفات يعرفها السكان جيداً، وسبق أن سمعوا بشأنها الكثير من الوعود.
لكن العالم القروي لا يحتاج إلى اكتشاف جديد في كل موسم انتخابي. يحتاج إلى سياسات مستمرة، ومشاريع تُنجز خارج منطق الحملات، وخدمات عمومية لا ترتبط بروزنامة الانتخابات.
لقد ظل الصوت القروي لعقود رقماً مؤثراً في الخريطة الانتخابية، ولذلك حرصت الأحزاب على بناء شبكاتها المحلية والاستناد إلى الأعيان والفاعلين المحليين والعلاقات الاجتماعية التي تلعب دوراً كبيراً في توجيه الأصوات. وهنا تصبح المنافسة الانتخابية أكثر تعقيداً من مجرد عرض البرامج، لأنها تدخل في حسابات النفوذ المحلي والتحالفات والامتدادات العائلية والاجتماعية.
وفي هذا المشهد، تتحول بعض الموائد الانتخابية إلى جزء من الطقوس السياسية المعروفة، كما تتحول التصفيقات إلى مؤشر جاهز للاستخدام في الصور والتقارير الحزبية. أما الوعود، فتبدو أحياناً بلا سقف، لأن موسم الانتخابات يسمح للسياسي بأن يتحدث عن المستقبل أكثر مما يُسأل عن حصيلة الماضي.
غير أن الناخب القروي لم يعد خارج معادلة الوعي السياسي. المواطن الذي يستقبل المرشح اليوم يعرف أيضاً من زاره في الانتخابات السابقة، ومن قدم له الوعود، وما الذي تحقق منها وما الذي بقي حبيس الخطب.
وهنا تحديداً يفترض أن تتغير علاقة الأحزاب بالعالم القروي. فالقرية ليست مجرد خزان انتخابي، والفلاح ليس رقماً في لائحة الناخبين، والدواوير ليست فضاءات تُستدعى فقط عندما تحتاج الأحزاب إلى أصوات إضافية للوصول إلى البرلمان.
السياسة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الاهتمام بالعالم القروي دائماً، وليس موسمياً. أما أن تظهر الأحزاب قبل الانتخابات وتختفي بعدها، فذلك يجعل العلاقة أقرب إلى زيارة موسمية منها إلى عمل سياسي ومؤسساتي مستمر.
العالم القروي سيظل رقماً حاسماً في الخريطة الانتخابية المغربية، لكن قيمته الحقيقية لا ينبغي أن تقاس بعدد الأصوات التي يمكن أن يمنحها لهذا الحزب أو ذاك، بل بما يمكن أن يحصل عليه سكانه من حقوق وخدمات وفرص تنمية.
فالقرية لا تحتاج إلى سياسي يحفظ الطريق إليها في موسم الانتخابات فقط، بل إلى مؤسسات تتذكرها طوال السنة.







