
قيوح يشعل الجدل في تيزنيت.. الحافلات تدخل الحرب الحزبية
قيوح يشعل الجدل في تيزنيت.. الحافلات تدخل الحرب الحزبية
تحولت أزمة النقل بمدينة تيزنيت خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أكثر الملفات السياسية إثارة للجدل، بعدما دخلت الحافلات فجأة إلى قلب الصراع الحزبي، وخرجت من دورها الطبيعي كوسيلة لنقل المواطنين إلى وسيلة لنقل الخطابات السياسية والوعود الانتخابية المبكرة.
بداية القصة كانت مع إعلان وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، عن قرب تزويد إقليم تيزنيت بحافلات جديدة، خلال نشاط حزبي لحزب الاستقلال. الإعلان الذي كان يفترض أن يمر في إطار مؤسساتي عادي، تحول بسرعة إلى مادة سياسية دسمة، خصوصاً بعدما بدا وكأن الحزب يقدّم المشروع باعتباره “هدية انتخابية” أكثر من كونه خدمة عمومية ممولة من المال العام.
في المغرب، لا شيء ينجو من التوظيف السياسي، حتى الحافلات نفسها. فبمجرد ظهور الوزير على المنصة، تحولت معاناة المواطنين اليومية مع النقل إلى فرصة للتسويق الحزبي، وكأن سكان تيزنيت كانوا ينتظرون مهرجاناً خطابياً لا حافلات تقلهم إلى أعمالهم ومدارسهم.
الارتباك بدأ مباشرة بعد موجة الانتقادات التي أعقبت تصريحات الوزير، حيث سارعت المفتشية الإقليمية لحزب الاستقلال إلى إصدار توضيحات تتحدث عن “خطأ في المعطيات”. غير أن التوضيح لم يطفئ الجدل، بل زاد من الشكوك حول الطريقة التي تم بها إخراج الملف إلى العلن، خاصة أن الأمر يتعلق بقطاع حيوي ظل لسنوات عنواناً لمعاناة يومية متواصلة داخل الإقليم.
الوثائق المرتبطة بإعادة توزيع الحافلات داخل جهة سوس ماسة زادت الوضع تعقيداً، بعدما كشفت أن تيزنيت لن تستفيد سوى من عدد محدود من الحافلات، في وقت أثار فيه تمرير العملية بعيداً عن الهيئة المختصة بالنقل كثيراً من علامات الاستفهام. هنا بدأ الملف يخرج نهائياً من إطاره التقني، ليدخل منطقة الحسابات السياسية الضيقة.
الأكثر غرابة أن الوثيقة نفسها تضمنت تخصيص حافلات لفائدة مجلس إقليمي بورزازات، رغم أن الإقليم لا ينتمي جغرافياً إلى جهة سوس ماسة. وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول المعايير المعتمدة في التوزيع، وما إذا كانت الأولوية تُمنح فعلاً لحاجيات المواطنين أم لخريطة التوازنات السياسية.
المشهد بدا للكثيرين أشبه بسوق انتخابي مفتوح. كل طرف يريد أن يظهر في صورة “المنقذ”، وكل حزب يسعى إلى تسويق نفسه باعتباره صاحب الفضل في جلب الحافلات، بينما المواطن الذي يقضي ساعات في انتظار وسيلة نقل محترمة، لا يعنيه من كل هذا الصراع سوى شيء واحد: أن تصل الحافلة في وقتها وأن يجد مكاناً يجلس فيه دون معاناة يومية.
لكن السياسة في المغرب لها منطق آخر. فحتى الحافلات لم تعد مجرد وسائل للنقل، بل تحولت إلى أدوات للدعاية وتسجيل النقاط. الوزير يتحدث بمنطق الإنجاز الحزبي، والمعارضة ترد بمنطق إسقاط الخصم، وفي النهاية تضيع الأزمة الحقيقية وسط ضجيج البلاغات والتصريحات المتناقضة.
مصادر محلية تتحدث أيضاً عن تخوفات من أن تتحول هذه التجاذبات إلى سبب مباشر في تأخير تسليم الحافلات، فقط حتى لا يُحسب “الإنجاز” لهذا الطرف أو ذاك. وهي مفارقة تكشف كيف يمكن لبعض الملفات الاجتماعية أن تصبح رهينة الحسابات الانتخابية، حتى ولو كان الثمن هو استمرار معاناة المواطنين.
وفي خضم هذا الصراع، يبدو المواطن آخر من يتم التفكير فيه. فبين صور السياسيين وبلاغات الأحزاب وتبادل الاتهامات، ما تزال تيزنيت تعيش أزمة نقل حقيقية، بينما تحولت الحافلات إلى نجمة جديدة في مسرح العبث السياسي المغربي.
في النهاية، لم يعد السؤال في تيزنيت يتعلق بعدد الحافلات أو موعد وصولها، بل بمن سيستفيد سياسياً من ظهورها أولاً. أما المواطن، فقد اعتاد على مشاهدة السياسيين يتقاتلون على “المقود”، بينما هو ما يزال واقفاً في المحطة ينتظر رحلة قد لا تصل أبداً.







