
طنجة تجمع باحثي فولبرايت… “عبور المضيق” يحول الجغرافيا إلى جسر علمي
طنجة تجمع باحثي فولبرايت… “عبور المضيق” يحول الجغرافيا إلى جسر علمي
في حدث أكاديمي يعكس تحوّل المعرفة إلى أداة دبلوماسية ناعمة، احتضنت مدينة طنجة ندوة “عبور المضيق – Crossing the Strait Seminar”، لتضع “ندوة عبور المضيق” في صدارة المبادرات العلمية التي تعيد تعريف العلاقة بين المغرب وإسبانيا من بوابة البحث والتبادل الفكري.
الندوة، التي نظمتها اللجنة المغربية-الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي بشراكة مع فولبرايت إسبانيا ومعهد المفوضية الأمريكية بطنجة للدراسات المغربية، جمعت على مدى ثلاثة أيام 26 باحثًا وأستاذًا أمريكيًا ضمن برنامج فولبرايت، إلى جانب خريجين وشركاء مؤسساتيين، في فضاء أكاديمي متعدد التخصصات.
الرهان لم يكن تقنيًا فقط، بل رمزيًا أيضًا. فمضيق جبل طارق، الذي طالما اختُزل في كونه فاصلاً جغرافيًا، أعيد تقديمه خلال هذه الندوة كمساحة تلاقٍ تاريخي، شهد عبر قرون تبادلات سياسية وثقافية واقتصادية عميقة، لا تزال آثارها حاضرة في العلاقات المعاصرة بين ضفتي المتوسط.
انطلاقة الندوة لم تكن تقليدية. حفل موسيقي احتضنته المفوضية الأمريكية بطنجة، بأعمال للمؤلف الإسباني مانويل دي فايا، أعطى إشارة رمزية: الثقافة أولًا… ثم يأتي النقاش. بعدها، دخلت الندوة في صلبها العلمي، حيث توزعت الجلسات بين التاريخ العابر للمتوسط، والتبادل الثقافي، والتعليم واللغات، وصولًا إلى قضايا الطاقة والتنمية الجهوية والسياسات العمومية.
في هذا السياق، أكد بنجامين زيف أن هذا الفضاء التاريخي يمثل نموذجًا حيًا لتحويل القرب الجغرافي إلى شراكة فكرية، مشددًا على أن الحوار متعدد التخصصات يعكس عمق العلاقات بين الدول، ويجسد ما وصفه بـ”الدبلوماسية المستدامة”.
من جانبها، اعتبرت ريبيكا غيفنر أن ندوة “عبور المضيق” ليست مجرد لقاء أكاديمي، بل منصة عابرة للحدود تلتقي فيها الأفكار والتجارب، حيث يتحول البحث العلمي إلى جسر فعلي للتقارب بين الشعوب، بعيدًا عن القوالب التقليدية للدبلوماسية.
أما ألبرتو لوبيز سان ميغيل، فقد ذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن الندوة تعيد تعريف المضيق نفسه، ليس كحد فاصل، بل كجسر حي للتبادل الفكري، يجمع باحثين من خلفيات مختلفة حول إرث مشترك ورهانات مستقبلية.
اللافت أن هذه المبادرة تأتي في سياق أوسع، مرتبط باحتفالات مرور 250 سنة على العلاقات المغربية-الأمريكية، ضمن مبادرة “Freedom 250”، ما يمنح الندوة بعدًا رمزيًا إضافيًا، حيث يتحول الباحثون إلى فاعلين حقيقيين في ترسيخ العلاقات بين الشعوب.
بعيدًا عن الخطابات الرسمية، تبرز هذه الندوة كدليل على أن أقوى الروابط لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات، بل عبر المعرفة، والبحث، والتفاعل الإنساني. وهنا تحديدًا، تكمن قوة “ندوة عبور المضيق”: في قدرتها على تحويل الجغرافيا من حدود إلى فرصة.







