
الترحال السياسي يحوّل الأحزاب إلى معابر نحو المناصب
الترحال السياسي يحوّل الأحزاب إلى معابر نحو المناصب
الترحال السياسي ليس مجرد انتقال عابر من حزب إلى آخر، ولا خلافاً فكرياً ينتهي باختيار تنظيم أقرب إلى قناعات المرشح.
في كثير من الحالات، يتحول الأمر إلى رحلة قصيرة بين الشعارات، هدفها الوحيد العثور على تذكرة انتخابية أكثر ضماناً للعودة إلى المنصب.
المرشح الرحّال لا يغادر حزباً لأنه اختلف مع مبادئه، ولا يلتحق بآخر لأنه اكتشف فجأة جاذبية مشروعه المجتمعي. غالباً ما تبدأ الرحلة عند إغلاق باب التزكية، وتنتهي فور فتح باب الترشيحات في حزب آخر. وبين البابين تختفي القناعات، ويصبح البرنامج الانتخابي مجرد ورقة قابلة للطباعة بألوان جديدة.
بهذا المعنى، لا يبدو الترحال السياسي انتقالاً حقيقياً بقدر ما يبدو تغييراً للوسيلة مع الاحتفاظ بالغاية ذاتها. المرشح يريد العودة إلى المقعد، ولا يهم كثيراً اسم الحزب الذي سيحمله إلى صناديق الاقتراع، ولا تاريخه ولا مرجعيته ولا الوعود التي يقدمها للناخبين.
المشكل هنا بنيوي يتجاوز الأشخاص، لأنه يكشف ضعف الانتماء الحزبي وتحول عدد من التنظيمات إلى وكالات موسمية لاستقبال الباحثين عن التزكية. الحزب الذي يفتح أبوابه للوافدين قبل الانتخابات بأيام لا يختلف كثيراً عن المرشح الذي يبدل قميصه السياسي عند أول عائق. الأول يبحث عن اسم يملأ اللائحة، والثاني يبحث عن لائحة تعيده إلى المنصب.
في هذه السوق الانتخابية، لا يعود الانتماء نتيجة مسار نضالي أو اقتناع فكري، بل يصبح عقداً مؤقتاً تحدده حسابات الأصوات والنفوذ والدوائر القابلة للفوز. وقد يدخل المرشح الانتخابات بلون، ثم يظهر في الاستحقاق الموالي بلون مناقض، محتفظاً بالخطاب نفسه والابتسامة نفسها والوعد الأبدي نفسه بخدمة المواطنين.
لا يتعلق الأمر بمنع السياسي من مراجعة مواقفه أو تغيير انتمائه. فالتحول الفكري حق طبيعي عندما يكون مبنياً على أسباب واضحة ومعلن عنها بشجاعة. غير أن الانتقال الذي يتزامن دائماً مع موسم التزكيات، وينتهي دائماً عند الحزب الذي يملك الحظوظ الأكبر، يصعب تقديمه باعتباره صحوة ضمير سياسية.
الترحال السياسي بهذا الشكل يفرغ الانتخابات من جزء مهم من معناها. فالناخب يفترض أنه يصوت لمرشح يحمل مشروع حزب، بينما يكتشف لاحقاً أنه صوّت لشخص يعتبر الحزب مجرد مركبة مؤقتة. وإذا تعطلت المركبة أو رفض سائقها منحه المقعد الأمامي، نزل منها وانتقل إلى غيرها دون أن يودع الركاب.
وتتحمل الأحزاب مسؤولية مركزية في استمرار هذه الظاهرة. فالتنظيم الذي يفضل صاحب النفوذ الانتخابي على مناضليه، ويضع حسابات الفوز فوق قواعده الداخلية، يرسل رسالة واضحة إلى أعضائه مفادها أن سنوات العمل والتدرج لا تساوي شيئاً أمام وافد يحمل معه شبكة أصوات جاهزة.
عندها يصبح الحديث عن تأطير المواطنين وإنتاج النخب مجرد ديكور لغوي، لأن النخبة لا تُنتج داخل الحزب بل تُستورد عند اقتراب الانتخابات. ويتحول المناضل إلى متفرج ينتظر توزيع التزكيات، بينما يدخل الرحّال من الباب الواسع لأنه يعرف الطريق الأقصر إلى الصندوق.
الأخطر أن هذه الممارسة تعمق فقدان الثقة في العمل السياسي. فالمواطن الذي يرى المرشح ينتقل بسهولة بين أحزاب متباعدة في خطابها يدرك أن الشعارات ليست سوى أغلفة، وأن الصراع المعلن بين البرامج قد ينتهي عند أول مقعد شاغر.
لا يقاس الالتزام الحزبي بعدد السنوات المسجلة في بطاقة العضوية، بل بالقدرة على الدفاع عن المبادئ حتى عندما لا تضمن منصباً. أما الانتماء الذي ينتهي بانتهاء التزكية، فليس موقفاً سياسياً، بل استثمار قصير الأجل في بورصة الانتخابات.
وحين تصبح الغاية مبرراً لكل الوسائل، يفقد الحزب معناه ويضيع الفرق بين التنافس السياسي والسباق الفردي نحو المناصب. يبقى المقعد ثابتاً، وتتغير الألوان من حوله، فيما يُطلب من الناخب كل مرة أن يصدق أن الرحلة الجديدة بدأت بدافع الاقتناع.








