
أنبوب الغاز الأطلسي يرسم مساره المغربي نحو أوروبا
أنبوب الغاز الأطلسي يرسم مساره المغربي نحو أوروبا
دخل أنبوب الغاز الأطلسي الأفريقي مرحلة أكثر دقة على مستوى الدراسات، بعدما كشفت وثائق تقييم الأثر البيئي والاجتماعي تفاصيل المقطع المغربي الممتد على 2220 كيلومتراً، موزعة بين 1830 كيلومتراً داخل اليابسة و390 كيلومتراً في عرض البحر.
ونشر المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، في مارس 2026، تقرير تحديد نطاق دراسة الأثر البيئي والاجتماعي، إلى جانب إطار سياسة اقتناء الأراضي وإعادة التوطين الخاص بالمقطع المغربي، في خطوة تنقل المشروع من العناوين السياسية الكبرى إلى تفاصيل المسار والمنشآت والتأثيرات المرتبطة بالتنفيذ.
ويصل الطول الإجمالي للمشروع إلى نحو 6900 كيلومتر، عبر مسار بري وبحري ينطلق من نيجيريا ويعبر دول الساحل الغربي لأفريقيا وصولاً إلى المغرب، قبل الارتباط بشبكة أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي. ويستهدف المشروع نقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وفق المعطيات المقدمة خلال الاجتماعات المشتركة للمغرب ونيجيريا وموريتانيا ودول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.
وتقدر الكلفة الإجمالية المتداولة لأنبوب الغاز الأطلسي الأفريقي بنحو 25 إلى 26 مليار دولار، وفق معطيات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. ويتعلق هذا التقدير بالمشروع القاري الكامل، وليس بالمقطع المغربي وحده، خلافاً لما ورد في بعض القراءات المتداولة لدراسة الأثر.
ويشمل التصميم الأولي للمسار المغربي أربع محطات للضغط بالقرب من بوجدور وطانطان وأكادير وآسفي، تتولى استعادة مستوى الضغط داخل الأنبوب وضمان استمرار تدفق الغاز بكفاءة على المسافات الطويلة.
وستفصل بين هذه المحطات مسافة تتراوح بين 300 و320 كيلومتراً، وهي مسافة مرتبطة بالخصائص التقنية لأنبوب يصل قطره إلى 48 بوصة. كما ستشغل كل محطة مساحة تقارب 64 هكتاراً، مع اختيار مواقع قريبة من الموانئ ومحاور النقل لتسهيل وصول المعدات الثقيلة وقطع الغيار والخدمات اللوجستية.
ولا تقتصر المنشآت المبرمجة على محطات الضغط، إذ يتضمن التصميم محطتين لاستقبال الغاز داخل المغرب. ستُخصص الأولى لاستقبال الإمدادات القادمة من موريتانيا عبر المقطع البحري، فيما ستقام الثانية عند نهاية الجزء البري لربط أنبوب الغاز الأطلسي بشبكة الغاز المغاربي الأوروبي، بما يفتح الطريق أمام نقل الإمدادات نحو الأسواق الأوروبية.
ويُرتقب إنشاء ستة مخيمات مؤقتة على طول المسار المغربي خلال مرحلة البناء، تضم مساكن للعمال ومستودعات للأنابيب وورشاً للصيانة ومرافق لوجستية. وسيغطي كل مخيم نطاقاً يقارب 300 كيلومتر، مع قدرة على استقبال ما بين ألف و1200 عامل خلال فترات ذروة الأشغال.
وتشير الدراسة إلى منح الأولوية للتشغيل المحلي، مقروناً ببرامج تدريب متخصصة لتأهيل اليد العاملة في مجالات تركيب الأنابيب واللحام والصيانة والسلامة الصناعية. غير أن تحويل هذه الأولوية إلى أثر اقتصادي محلي سيظل مرتبطاً بدقة الالتزامات التي ستفرض على الشركات المنفذة، ونسبة الوظائف التي ستُسند فعلياً إلى أبناء المناطق التي يعبرها المشروع.
ويمتد الجزء البحري المغربي على نحو 390 كيلومتراً، انطلاقاً من الحدود البحرية مع موريتانيا وصولاً إلى منطقة الداخلة، عبر أعماق تتراوح بين 15 و100 متر. وعند الاقتراب من الساحل، سيُدفن الأنبوب تدريجياً لمسافة تقارب ثمانية كيلومترات لحمايته من حركة الأمواج والمراسي والأنشطة البحرية.
كما سيُغطى الأنبوب بطبقة خرسانية لتعزيز استقراره في قاع البحر، ويُطلى بمواد مقاومة للتآكل، مع تزويده بنظام للحماية الكاثودية. وتستهدف هذه الإجراءات الحفاظ على سلامة المنشأة طوال مدة تشغيل مقدرة بنحو 40 عاماً، وفق التفاصيل التي أوردتها المعطيات المنشورة حول الدراسة.
أما الجدول الزمني، فيضع اتخاذ قرار الاستثمار النهائي في أفق نهاية 2026، على أن تنطلق مرحلة البناء بعد استكمال التمويل والاتفاقيات والإجراءات التنظيمية. ويستهدف السيناريو الحالي بدء التشغيل التجاري خلال الربع الثاني من سنة 2031.
ويظل هذا الموعد تقديراً تخطيطياً لا تاريخاً نهائياً مضموناً، لأن المشروع لم يدخل بعد مرحلة البناء. كما أن حجمه العابر لعدد كبير من الدول يجعله مرتبطاً بتعبئة التمويل، وتوقيع الاتفاق الحكومي المشترك، واستكمال الدراسات التقنية والبيئية، وتسوية قضايا الأراضي، وتنسيق الأطر القانونية بين البلدان المعنية.
وتمنح دراسة الأثر البيئي والاجتماعي مساحة مهمة لتحديد المناطق الحساسة وتدبير مخاطر الأشغال على الأراضي والموارد المائية والتجمعات السكانية والأنشطة البحرية. كما تضع إطاراً للتعويض واقتناء الأراضي وإعادة التوطين عند الضرورة، إلى جانب تدابير السلامة المهنية وتدبير المخيمات والتشغيل المحلي.
أنبوب الغاز الأطلسي الأفريقي خرج بذلك من مرحلة الخطوط العريضة إلى خريطة تقنية أكثر وضوحاً، لكن المسافة بين الدراسة والإنجاز لا تزال طويلة. فالمشروع رسم مواقع المحطات والمخيمات ومسار الأنبوب، بينما يبقى قرار الاستثمار والتمويل الفعلي هما المفتاح الذي سيحدد موعد دخول الآليات إلى الميدان.







