
نزار بركة و”الفراقشية”.. كثير من الكلام وقليل من الأسماء
نزار بركة و”الفراقشية”.. كثير من الكلام وقليل من الأسماء
لحسن شرماني
في ظهور إعلامي بدا أقرب إلى محاولة شرح الغلاء بدل مواجهته، أعاد نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، مصطلح “الفراقشية” إلى واجهة النقاش السياسي خلال حلوله ضيفًا على برنامج “ساعة الصراحة” بالقناة الثانية، لكن دون أن يمنح الرأي العام ما كان ينتظره فعليًا: الوضوح، والأسماء، والمحاسبة.
الوزير تحدث مطولًا عن الوسطاء، والمضاربين، وثقافة الجشع داخل السوق، في محاولة لتوسيع دائرة المسؤولية، وكأن الغلاء أصبح ظاهرة اجتماعية عائمة لا عنوان لها.
غير أن المغاربة، الذين يطاردون الأسعار يوميًا داخل الأسواق ومحطات الوقود، لم يعودوا يكتفون بالتوصيف الأخلاقي للأزمة، بقدر ما يبحثون عن تفسير سياسي واقتصادي مباشر يجيب عن سؤال واحد: من استفاد من كل هذا؟
بركة حاول تقديم صورة تقنية للملف، معتبرًا أن “الفراقشية” لا يوجدون فقط في الاستيراد، بل في مختلف حلقات التوزيع والوساطة. كلام يبدو متوازنًا في الشكل، لكنه بقي حذرًا أكثر من اللازم، خصوصًا أن الحكومة نفسها تحدثت سابقًا عن وجود مضاربين استفادوا من الدعم العمومي، دون أن يتحول ذلك إلى مسار واضح للمساءلة أو كشف الحقائق.
وهنا تبدأ المفارقة الثقيلة التي لم تمر مرور الكرام. فالحكومة التي تتحدث عن الشفافية، وتملك المعطيات والأرقام، تبدو أحيانًا وكأنها تخاف من تسمية الأشياء بأسمائها. المواطن يسمع كثيرًا عن “الاختلالات”، لكنه لا يرى إلا القليل من القرارات الصارمة. وحتى لجنة تقصي الحقائق، التي طُرحت أكثر من مرة، بقيت أقرب إلى فكرة مؤجلة داخل رف السياسة المغربية.
وفي ملف المحروقات، عاد الوزير إلى الحديث عن الفرق بين تسقيف الأسعار وتسقيف الأرباح، مستحضرًا قانون حرية الأسعار والمنافسة ودور مجلس المنافسة في مراقبة الهوامش. غير أن هذا النقاش التقني يصطدم دائمًا بواقع أبسط وأكثر قسوة: المواطن لا يناقش النظريات الاقتصادية وهو يملأ خزان سيارته، بل يرى رقمًا يرتفع باستمرار، بينما الخطاب الرسمي يزداد تعقيدًا وأناقة.
كما حاول بركة الدفاع عن الحصيلة الحكومية عبر التذكير بدعم النقل والمواد الأساسية والزيادات في الأجور، لكن هذا الدفاع بدا بدوره محاصرًا بواقع القدرة الشرائية. فالأسعار تتحرك بسرعة أكبر من أي زيادة، والسوق يبتلع أثر الدعم قبل أن يشعر به المواطن. وهنا تصبح البلاغة الاقتصادية مجرد محاولة لتلطيف صدمة يومية يعيشها الشارع المغربي بصمت متزايد.
الوزير تحدث أيضًا عن مشاريع لتقليص الوسطاء وربط المنتج مباشرة بالمستهلك، وهي أفكار تبدو جذابة على الورق، لكنها تصطدم بسؤال التنفيذ الذي يلاحق الحكومات منذ سنوات. فالمغاربة تعبوا من الوعود المؤجلة، حتى صار المستقبل نفسه يبدو وكأنه مشروع دائم لا يصل أبدًا إلى مرحلة التطبيق.
وفي قطاع الصحة، اعترف بركة بوجود خصاص حاد في الأطباء، متحدثًا عن كليات جديدة وتحفيزات لتحسين جاذبية القطاع العام. اعتراف يكشف في العمق حجم التأخر أكثر مما يقدم الحل، لأن أزمة الصحة لم تولد فجأة، بل تراكمت لسنوات وسط تدبير عمومي كان يراقب الانهيار ببطء شديد.
في النهاية، خرج نزار بركة من “ساعة الصراحة” بخطاب طويل عن السوق والأخلاق والإصلاحات، لكنه ترك خلفه نفس السؤال معلقًا: إذا كانت الحكومة تعرف “الفراقشية”، فلماذا لا يعرفهم المغاربة؟ وبين كثرة الشرح وندرة القرارات، تظل القفة المغربية أكثر صدقًا من كل التصريحات.







