
دعم الجمعيات بسلا مفقود… لكن الخطابات الرسمية متوفرة بكثرة!
دعم الجمعيات بسلا مفقود… لكن الخطابات الرسمية متوفرة بكثرة!
في مدينة سلا—مدينة التاريخ والأنهار والاقتراحات الغريبة—قررت الجماعة المحلية أن تجرّب وصفة جديدة لتدبير الشأن الثقافي: قطع الدعم عن الجمعيات. هكذا ببساطة، وكأن الثقافة في المدينة شجرة “صبار” تعيش بلا ماء، أو كأن الجمعيات مجرد هواة يقضون وقتهم في اللعب بدل صناعة الفعل الثقافي.
الفاعلون الثقافيون والجمعويون لم يجدوا سوى رفع صوتهم عاليًا، مستنكرين هذا القرار الذي يشبه محاولة إعادة اختراع العجلة… لكن بشكل مربع. فمنذ سنوات، اشتغلت جمعيات جادة بجهد وتضحيات، صنعت مهرجانات وندوات وأوراشًا، دون أن تطلب شيئًا أكثر من دعم بسيط يكفي للاستمرار.
لكن يبدو أن الجماعة رأت في هذا الدعم “ترفًا”، وفي الأنشطة الثقافية “كماليات”، لتقرر أن تضع حدًا لهذا “البذخ”.
النتيجة؟ مبادرات ثقافية كانت تُعتبر مواعيد سنوية تنتظرها المدينة بشغف، أصبحت اليوم مهددة بالتوقف. كل ذلك لأن مواردها جرى تجفيفها بقرار من فوق، في وقت تُصرف الأموال على أنشطة جماعية تُنظم “داخل الدار”، وكأن الثقافة مشروع عائلي مغلق لا يقبل شركاء.
ثمّة من يقول إن الجماعة اختارت الاستفراد بالتنظيم، معتقدة ربما أن الجمعيات لم تعد تفهم شيئًا في الثقافة، وأن الحلّ الأفضل هو أن تتكفل هي بكل شيء… من الصفر. لكن الجميع يعرف أن هذا “الصفر” غالبًا ما يتحول في الواقع إلى فراغٍ ثقافي كبير، خصوصًا حين يصبح المجتمع المدني مجرد ديكور يُستدعى لحمل الطاولات والكراسي، بدل حمل الأفكار والإبداع.
الفاعلون الثقافيون بدورهم لم يتركوا الأمر يمرّ مرور الكرام، وانتقدوا بشدة هذه المقاربة التشاركية الشكلية، التي لا تشرك أحدًا إلا حين يتعلق الأمر بأعمال لوجستية.
وكأن الجمعيات مجرد “تقنيي خشبات” وليسوا أصحاب رؤية ومشاريع وخبرة. وهكذا تحوّل مفهوم الشراكة إلى “شراكة بلا شريك”.
اليوم، تدعو هذه الفعاليات الجماعة إلى مراجعة قرارها، ليس فقط حفاظًا على ماء وجه المدينة، بل حفاظًا على تاريخها الثقافي الطويل. فالثقافة لا تُبنى بخطابات رسمية ولا باحتفالات سريعة، بل بشراكات حقيقية، وبالاعتراف بدور الجمعيات الجادة التي صنعت ما عجزت عنه المؤسسات.
سلا، مدينة لها روح، ولا تستحق أن تُختزل في جدول أعمال إداري. وإذا استمرت الجماعة في هذا النهج، فلن يتبقى من الثقافة سوى صور رسمية وبوستات فايسبوك… وبقايا ذاكرة تقول: “هنا كانت الثقافة يومًا”.






