
بركة يغضب من المنتقدين.. لكن “مليار الكاش” مازال بلا جواب
بركة يغضب من المنتقدين.. لكن “مليار الكاش” مازال بلا جواب
يبدو أن وزير التجهيز والماء نزار بركة قرر أخيراً مغادرة منطقة الهدوء السياسي التي ظل يختبئ داخلها لسنوات، لكن ليس بسبب انهيار الطرق أو العطش أو الفساد أو معاناة المواطنين، بل لأن هناك من تجرأ وسأل سؤالاً بسيطاً:
من أين جاء “مليار الكاش”؟
فجأة، تحول الرجل الذي كان يتحدث دائماً بنبرة هادئة تشبه نشرات الطقس الإدارية، إلى مقاتل شرس ضد “المؤامرات” و”التشويش” و”الاستهداف”، وكأن المغاربة لم يعودوا يناقشون صفقة عقارية غامضة، بل يخططون لإسقاط النظام الكوني الجديد.
وفي السياق ذاته، بدا واضحاً أن أكثر ما أزعج بركة ليس انتشار الفساد ولا تراجع الثقة في السياسة، بل تلك الأسئلة الثقيلة التي تتعلق بطريقة شراء عقار بمبلغ ضخم دُفع نقداً، في بلد صار فيه المواطن يحتاج ملفاً كاملاً فقط ليفتح حساباً بنكياً أو يسحب مبلغاً محترماً من ماله الخاص.
الغريب أن الوزير، بدل أن يخرج للناس بوثائق بسيطة وواضحة تنهي الجدل في خمس دقائق، اختار الطريق المفضل عند عدد من السياسيين المغاربة: الهجوم، التخوين، وخلط السياسة بالوطنية حتى يصبح السؤال عن المال شبهة ضد الوطن نفسه.
وكأن المواطن الذي يسأل عن مصدر الأموال أصبح فجأة عميلاً خارجياً، بينما المسؤول الذي يختبئ خلف خطاب المؤامرة يتحول إلى حارس رسمي للاستقرار الكوني.
المثير أكثر أن بركة، الذي لم يُعرف عنه يوماً غضب حقيقي تجاه لوبيات الريع أو تضخم الأسعار أو نزيف القدرة الشرائية، بدا هذه المرة مستنفراً بشكل غير مسبوق، فقط لأن النقاش اقترب من منطقة الثروة الخاصة.
وفي المقابل، لم يفهم كثيرون لماذا يتحول طلب الشفافية إلى “استهداف سياسي”، ولماذا يصبح كشف المعطيات المالية نوعاً من “المساس بالمؤسسات”، بينما يفترض في المسؤول العمومي أن يكون أول من يقدم التوضيحات للرأي العام دون حساسية أو انفعال.
لكن يبدو أن بعض السياسيين في المغرب ما زالوا مقتنعين أن الوطنية الحقيقية تبدأ عندما يصمت المواطن، وأن الشفافية مجرد رفاهية تصلح للخطب الرسمية فقط.
وفي خضم هذا الجدل، عاد النقاش القديم الجديد حول العلاقة المعقدة بين السلطة والثروة والسياسة، خصوصاً حين يتحول المسؤول العمومي من شخص مطالب بتقديم الأجوبة إلى شخص يعتبر نفسه ضحية لمجرد أنه طُلب منه التوضيح.
كما تكشف هذه القضية مرة أخرى أن أخطر ما يهدد ثقة المواطنين ليس النقد ولا الصحافة ولا الأسئلة المحرجة، بل ذلك الإصرار الغريب على التعامل مع كل ملف حساس بمنطق: “لا تسأل كثيراً… الوطن يتألم”.
وفي النهاية، يبقى الحل بسيطاً جداً، وربما أرخص من كل خطابات التخوين: الوثائق، الشفافية، والأرقام.
أما تحويل “مليار الكاش” إلى معركة وطنية، فهو يشبه محاولة إطفاء حريق سياسي بخزان من البنزين.






