
سقوط “سمسار المحاكم” بسلا يفضح سماسرة القضاء
سقوط “سمسار المحاكم” بسلا يفضح سماسرة القضاء
شهدت المحكمة الابتدائية بسلا، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر الوقائع التي أعادت ملف السمسرة القضائية إلى الواجهة، بعدما انتهت تحركات شخص كان يتجول داخل أروقة المحكمة بصفة “خبير في قضاء الحاجات” إلى زنزانة السجن، عقب توقيفه متلبساً بمحاولة النصب على متقاضين وإيهامهم بامتلاك مفاتيح سحرية لتحريك الملفات القضائية.
القضية بدأت عندما أثارت تحركات المعني بالأمر انتباه المسؤولين داخل المحكمة، بعدما كان يتنقل بين المرتفقين بطريقة توحي وكأنه موظف ظلّي يشتغل خارج الهيكلة الرسمية للمحكمة، لكن داخل نفوذها الكامل. الرجل كان يحمل ملفات قضائية ويتفاوض مع مواطنين، مقدماً نفسه كوسيط قادر على “تسهيل الأمور” والتدخل في مسارات بعض القضايا، في مشهد يلخص كيف تحاول شبكات السمسرة التغلغل داخل فضاءات يفترض أنها عنوان للعدالة وهيبة القانون.
المثير في القضية أن سقوط المشتبه فيه لم يكن نتيجة شكاية مباشرة، بل جاء بعد رصد تحركاته عبر كاميرات المراقبة داخل المحكمة. نائب وكيل الملك انتبه إلى تصرفات غير عادية لشخص يتحرك بثقة كبيرة وسط المرتفقين، قبل أن يتم التدخل وتوقيفه للتحقق من طبيعة نشاطه الحقيقي.
وخلال عملية التفتيش والتحقيق الأولي، تبين أن المعني بالأمر كان بحوزته عدد من الملفات القضائية، بينما كشفت الأبحاث أنه دخل في مفاوضات مع مواطنين مقابل وعود بالتدخل لفائدتهم في ملفات معروضة أمام القضاء. وبدل أن يجد لنفسه مخرجاً قانونياً، تورط أكثر بعدما ظهرت تناقضات واضحة في تصريحاته، ما دفع النيابة العامة إلى تعميق البحث وإحالته على الشرطة القضائية لاستكمال التحقيقات وتحديد باقي الضحايا المحتملين.
القضية خلفت استياءً واسعاً داخل المحكمة وبين عدد من المرتفقين، خصوصاً أن ظاهرة السماسرة أصبحت بالنسبة لكثيرين جزءاً من المشهد اليومي في بعض الفضاءات الإدارية والقضائية، حيث يظهر أشخاص يقدمون أنفسهم كوسطاء قادرين على اختصار المساطر وتسريع الإجراءات، مستغلين خوف المواطنين وجهل بعضهم بالتفاصيل القانونية.
وفي المغرب، يبدو أن بعض السماسرة يشتغلون بثقة أكبر من أصحاب الملفات أنفسهم. يدخلون المحاكم وكأنهم في مكاتبهم الخاصة، يتحركون بأريحية، يوزعون الوعود، ويتحدثون بلغة توحي بأن العدالة أصبحت خدمة بالتقسيط يمكن تسريعها مقابل “المعلوم”. لذلك لم يكن غريباً أن يثير توقيف هذا الشخص موجة ارتياح داخل أوساط كثيرة، خصوصاً بين المتقاضين الذين ضاقوا ذرعاً بهذه الممارسات.
مصادر قضائية أكدت أن المحكمة الابتدائية بسلا تواصل منذ مدة حملاتها لمحاربة ظاهرة السمسرة داخل أروقة العدالة، في إطار توجه يرمي إلى حماية نزاهة القضاء واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية. كما سبق للنيابة العامة أن أشرفت على عمليات مماثلة انتهت بتفكيك شبكات منظمة تضم أشخاصاً ينتحلون صفات قانونية ويستغلون حاجة المتقاضين لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض المتورطين في هذا النوع من القضايا يعتمدون على خلق صورة وهمية عن قربهم من مسؤولين أو قضاة أو موظفين داخل المحاكم، من أجل إقناع الضحايا بقدرتهم على التأثير في الملفات، بينما تكون النتيجة في النهاية مجرد عمليات نصب مغلفة بكلمات قانونية كبيرة.
التحركات الأخيرة للنيابة العامة تعكس، بحسب متابعين، رغبة واضحة في تشديد الخناق على هذه الممارسات التي تسيء لصورة العدالة، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها قطاع القضاء بالمغرب ومحاولات تخليق الحياة القضائية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات الجارية، أعادت هذه القضية طرح سؤال قديم يتكرر كل مرة: كيف يتمكن بعض السماسرة من التحرك بحرية داخل محاكم يفترض أنها أكثر الفضاءات مراقبة وهيبة؟ سؤال يعكس حجم التحدي الذي ما تزال تمثله شبكات السمسرة، رغم حملات التوقيف المتكررة.







