...

أزمة التكوين المهني بفاس مكناس: قرارات نقل تثير غضب الأطر

أزمة التكوين المهني بفاس مكناس: قرارات نقل تثير غضب الأطر

في قطاع يُفترض أنه يُكوّن الكفاءات ويؤطر المستقبل، يبدو أن الإدارة اختارت هذه المرة أن “تؤطر” الأطر نفسها… لكن بمنطق القرارات المفاجئة. جهة فاس مكناس تعيش على وقع توتر متصاعد داخل قطاع التكوين المهني، بعد قرارات نقل طالت عدداً من الأطر، دون مقدمات واضحة أو تبريرات مقنعة، وكأن الموظف مجرد رقم يمكن تحريكه من خانة إلى أخرى دون أن يُطرح السؤال: لماذا الآن؟

الاحتقان لم يأتِ من فراغ. العاملون في القطاع يتحدثون عن تأخر واضح في الاستجابة لمطالبهم، وعن حوار اجتماعي يُعلن في البلاغات أكثر مما يُمارس في الواقع. وبين هذا الصمت الإداري، جاءت التنقيلات لتضيف طبقة جديدة من الغضب، وكأن الإدارة قررت أن تعالج الأزمة… بقرارات تزيدها تعقيداً.

المثير أن هذه التنقيلات لم تقتصر على موظفين عاديين، بل شملت أطرًا راكمت تجربة وساهمت في تحسين أداء مؤسساتها. فجأة، يجد هؤلاء أنفسهم أمام تغيير قسري، دون تفسير يُقنع أو مسار يُفهم. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بمكان العمل، بل باستقرار مهني ونفسي يُعاد رسمه بقرار إداري بارد، لا يلتفت إلى ما خلفه من تبعات.

الانتقادات لم تتأخر. الحديث عن تجاوز المساطر القانونية خرج إلى العلن، مع اتهامات باتخاذ قرارات دون إشراك الهيئات المختصة، في خرق واضح لما يُفترض أنه قواعد الحكامة الجيدة. الإدارة، التي يُفترض أن تكون نموذجاً في احترام القانون، تجد نفسها متهمة بالقفز عليه، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام.

النقابة دخلت على الخط، وأعلنت تضامنها مع الأطر المتضررة، مؤكدة أن كرامة الموظف ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه. لأن العلاقة بين الإدارة والشغيلة، حين تُبنى على الفرض بدل الحوار، تتحول سريعاً إلى توتر مفتوح. والأخطر أن بعض هذه التنقيلات، كما يروج داخل القطاع، تحمل دلالات غير مهنية، من خلال توجيه موظفين إلى مناطق بعينها، في ما يُفهم كنوع من الضغط غير المباشر.

في المقابل، لم يعد أمام الأطر سوى خيار الاحتجاج. برنامج نضالي بدأ يتشكل، بوقفات أمام مقرات الإدارة الجهوية، مع استعداد واضح للتصعيد إذا استمر الوضع على حاله. لأن الصمت، حين يطول، يتحول إلى موقف… والموقف، حين يُهمل، يتحول إلى مواجهة.

السخرية في هذا المشهد أن الدولة تتحدث عن تحديث الإدارة وتعزيز الحكامة، بينما الممارسة اليومية تُنتج واقعاً مختلفاً تماماً. تُعلن عن إشراك الموظف، لكنها تُقصيه في القرار. تتحدث عن الاستقرار، لكنها تُربكه بقرارات مفاجئة. وكأن الخطاب يسير في اتجاه، والواقع في اتجاه آخر.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بتنقيلات، بل بطريقة تدبير قطاع كامل. لأن الإدارة، حين تفقد القدرة على التواصل، تفقد معها جزءاً من مشروعيتها. ويبقى السؤال الذي يتردد داخل القطاع بصوت مرتفع: هل الهدف هو تنظيم العمل… أم اختبار صبر من يشتغلون فيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى