
الناطق الرسمي باسم الحكومة.. أكثر من يتكلم بأقل ما يُقال!
الناطق الرسمي باسم الحكومة.. أكثر من يتكلم بأقل ما يُقال!
تبدو الحكومة المغربية، هذه الأيام، وكأنها اكتشفت أخيراً أن المغاربة يفهمون ما يجري أكثر مما تظن. فبينما تتفاقم الأزمات ويزداد الغضب في الشارع، خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، ليخبرنا – بكل ثقة – أن “السلطة التقطت رسالة المحتجين”. وكأن الشعب كان يبعث برسائل مشفرة في زجاجات عبر البحر!
بايتاس، في مؤتمره الصحفي الأخير، بشّرنا بـ “أوراش كبرى” في التعليم والصحة والشغل، وقال إنها تسير بخطى ثابتة. لكن، ما لم يقله الرجل، هو أن هذه الخطى ثابتة فعلاً… لأنها لا تتحرك من مكانها! فبينما تتحدث الحكومة عن إصلاحات كبرى، تزداد أوضاع المستشفيات سوءاً، والمدارس تترنّح بين العجز والاكتظاظ، والبطالة تلتهم أحلام الشباب بلا رحمة.
وحتى حين أراد الناطق الرسمي أن “يبهرنا” بالأرقام، قال إن الحكومة خصصت 49 مليار درهم للحوار الاجتماعي حتى سنة 2027، مع رفع الحد الأدنى للأجور وتحسين دخل الموظفين. أرقام جميلة فعلاً، لكنها في الواقع تشبه لوحة فنية تُعلّق في صالون فخم بينما البيت يحترق! فالمغاربة لم يعودوا يثقون في الأرقام، لأنهم يعيشون نتائجها يومياً في جيوبهم الفارغة وثلاجاتهم الخالية.
الأدهى من ذلك أن الحكومة تقول إنها “استمعت للشباب”. لكن، كيف تستمع لمن لا تفهم لغته أصلاً؟ جيل “زد” لا يتحدث بلاغة المسؤولين ولا ينتظر طاولات الحوار، إنه جيل وُلد رقمياً، يتكلم بلغة الشارع والسرعة، لا بلغة المذكرات الوزارية.
حين يقول بايتاس “ننتظر الطرف الآخر للحوار”، فإن الجيل الجديد يسمعه كأنه يقول: “ننتظر إذنكم لتبدأوا بالمطالبة بحقوقكم”. هنا تكمن المأساة… سوء فهمٍ عميق بين حكومة عالقة في القرن الماضي، وجيل يعيش في زمن الـ”تيك توك” والسياسات اللحظية.
ما لا تدركه السلطة بعد، هو أن الأزمة لم تعد تقنية بل أخلاقية. فالمغاربة لا يريدون وعوداً جديدة بقدر ما يريدون وجوهاً جديدة. إنهم سئموا من نفس الخطابات المعاد تدويرها، ومن نفس “الأوراش” التي لا تكتمل أبداً. الغضب الشعبي اليوم ليس فوضى، بل وعي جديد يبحث عن معنى، عن دولة تستمع بصدق لا تدّعي السمع.
فحين تتحوّل السياسة إلى مسرح، يصبح الوزير ممثلاً، والناطق الرسمي مخرجاً، والجمهور؟ الجمهور غادر القاعة منذ زمن… لأن العرض مملّ والنهاية معروفة.






