
ثروة عزيز أخنوش بين تصنيف فوربس واتهامات تضارب المصالح
ثروة عزيز أخنوش بين تصنيف فوربس واتهامات تضارب المصالح
في بلدٍ يئنّ تحت وطأة الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، يطلّ اسم عزيز أخنوش مرة أخرى من صفحات “فوربس“ لا بصفته رئيساً لحكومة تعِد بمواجهة الفقر، بل كرجل أعمال يراكم ملايين الدولارات في زمن الأزمة. 1.6 مليار دولار هي القيمة التقديرية لثروة رئيس الحكومة المغربية اليوم، بزيادة تقارب 100 مليون دولار في بضعة أشهر فقط. أي أنّ الزمن الذي كان كافياً ليدخل فيه المواطن البسيط في دوامة الديون، كان كافياً أيضاً ليضيف رئيس حكومته عشرات الملايين إلى رصيده.
يُفترض في من يقود السلطة التنفيذية أن يكون في الصف الأول لمواجهة موجات الغلاء، لا أن يكون من أكبر المستفيدين من واحد من أكثر الأسواق حساسية: سوق الطاقة. لكن في المغرب، يبدو المشهد معكوساً تماماً؛ فالرجل الذي يجلس على رأس الحكومة هو نفسه الذي تهيمن مجموعته الاقتصادية “أكوا” على حوالي 40% من سوق المحروقات، و45% من سوق غاز البوتان، وأكثر من 62% من سوق الغاز المسال.
أي أن المواطن حين يملأ خزان سيارته، وحين يقتني قنينة الغاز لطهي طعامه، وحين يدفع ثمن الطاقة التي تحرّك جزءاً من الاقتصاد، يجد نفسه – شاء أم أبى – في علاقة مباشرة مع شركات رئيس الحكومة. بعد ذلك، يُطلب منه أن يثق في أن هذه الحكومة “محايدة” و”حريصة” على مصالحه!
الحديث عن “تضارب المصالح” هنا يبدو وصفاً مخففاً لوضع شاذّ: رئيس حكومة يتخذ القرارات، ورجل أعمال يتربح من آثار تلك القرارات، في شخص واحد. وحين خرجت أصوات تسأل: كيف يمكن لحكومة يرأسها فاعل مسيطر في سوق المحروقات أن تضبط أسعار المحروقات؟ لم تأتِ الإجابة في شكل توضيحات مقنعة بقدر ما جاءت في شكل أرقام جديدة في تصنيفات “فوربس”.
المفارقة الصارخة أن أخنوش، الذي يقدَّم كثاني أغنى رجل في المغرب بعد عثمان بنجلون، يُفترض أن يقود حكومة جاءت بشعار “الدولة الاجتماعية” و”دعم الطبقات الهشة”. لكن الواقع يطرح سؤالاً مُرّاً: أي دولة اجتماعية هذه التي يتضخّم فيها رصيد رأس السلطة التنفيذية بينما يتقلص رصيد المواطن في حسابه البنكي، وفي جيبه، وحتى في صبره؟
التصنيف العالمي لأخنوش في المرتبة 2337 على قائمة “فوربس” لا يثير الإعجاب بقدر ما يثير الحسّ النقدي: هل نحن أمام قصة نجاح رجل أعمال فقط، أم أمام نموذج مكتمل لـ”زواج المال بالسلطة”؟ كيف يمكن فصل قرارات الحكومة في مجال الطاقة عن مصالح مجموعة تهيمن على هذا القطاع ويملكها رئيس تلك الحكومة؟ بل كيف يمكن إقناع المواطن بأن أي ارتفاع جديد في الأسعار لا علاقة له بتشابك هذه المصالح؟
النقاش هنا ليس أخلاقياً فحسب، بل بنيويّ أيضاً. فحين يصبح النفوذ السياسي أداة لتطبيع النفوذ الاقتصادي، وحين تُختزل الدولة في أعين الناس إلى سلطة تحمي مصالح الأقوياء أكثر مما تحمي القدرة الشرائية للضعفاء، تتآكل الثقة في المؤسسات، وتتحول كل زيادة في ثروة المسؤول إلى دليل إضافي على شعور عام باللاعدالة.
يمكن لأي مدافع عن الوضع القائم أن يتحدث عن “القانون” و”التصاريح بالممتلكات” و”الإجراءات”، لكن عين المواطن لا ترى سوى مشهد بسيط: أسعار ترتفع، مداخيل تتآكل، حكومة تبدو عاجزة عن كبح الغلاء، ورئيس تلك الحكومة يواصل تسلّق سُلّم المليارات. وسط هذا المشهد، تصبح كل خطابات “الإصلاح” و”العدالة الاجتماعية” أقرب إلى لغة خشبية أمام أرقام “فوربس” الصلبة.
في النهاية، يبقى عزيز أخنوش نموذجاً مكثفاً لتشابك السياسي بالمالي في المغرب: رجل واحد يجلس على رأس السلطة التنفيذية وعلى قمة إمبراطورية اقتصادية تتحكم في مفاصل قطاع استراتيجي، ثم يُطلب من المواطن أن يصدّق أن السوق “حرة” وأن القرارات “محايدة” وأن العدالة “مضمونة”.
هذا النموذج لا يحتاج إلى سخرية مبالَغ فيها بقدر ما يحتاج إلى سؤال مباشر وبسيط: أي مستقبل يمكن أن يُبنى على قاعدة يتقاطع فيها القرار الحكومي مع حسابات المليارات في الجيب نفسه؟






