...

التحالف الثلاثي : أرقام في البرلمان… صفر في الميدان

التحالف الثلاثي: أرقام في البرلمان… صفر في الميدان

خطاب العرش الأخير لم يكن مجرد كلام عابر، بل كان صفارة إنذار صريحة حين أشار الملك محمد السادس إلى أن المغرب يسير بسرعتين؛ سرعة نخبة مترفة تتنعم بالامتيازات، وسرعة بطيئة تجرّ خلفها أغلبية المواطنين المثقلين بأعباء الغلاء والتفاوتات الاجتماعية. ومع ذلك، جاء الرد الحكومي باهتًا، بارداً، وكأن الأمر لا يعنيها.

بل إن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي يُفترض أن يكون في قلب التفاعل، غاب عن اجتماعين سياسيين مهمّين ترأسهما وزير الداخلية، وهو غياب اعتبره كثيرون تراجعًا رمزياً لدور رئاسة الحكومة أمام ثقل مؤسسات أخرى.

التحالف الثلاثي (الأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) الذي دخل الساحة بعد انتخابات 2021 لم يُقدّم مشروعًا مجتمعياً واضحاً، بقدر ما بدا مجرد تنسيق انتخابي بلا روح سياسية. الخطاب الحزبي تلاشى أمام بلاغات رسمية، والمبادرة السياسية استسلمت لبيروقراطية اقتصادية جامدة.

والأدهى أن الحكومة، بتشكيلتها الحالية، بدت وكأنها مفصلة على مقاس السوق لا على مقاس الوطن. المناصب توزّع على خبراء في الأرباح، بينما السياسات العمومية تُدار بعقلية المقاولة، لا بروح الدولة. المال اختلط بالسلطة، والتشريع تداخل مع الاستثمار، حتى لم يعد المواطن يميّز بين من ينظّم السوق… ومن يملكه.

ومنذ سنوات، رفع عزيز أخنوش شعار “المخطط الأخضر” كرافعة للقطاع الفلاحي، لكن الواقع كشف غير ذلك: عطش يضرب القرى والحواضر، زراعات تصديرية تستنزف الماء على حساب السيادة الغذائية، وتراجع الإنتاج المحلي في ظل أزمة عالمية خانقة. المواطن لم يحصد سوى غلاء في الأسعار، فيما الأسواق الخارجية تنعم بالخيرات.

CNSS ramadan2026 728x90 2

تُضاف إلى ذلك تسريبات غير رسمية تتحدث عن تضخم ثروات عدد من الوزراء خلال فترة قصيرة، في غياب أي آلية حقيقية لمراقبة تطور الثروة. وهنا يحق للناس أن يتساءلوا: من يراقب من؟ ومن يحاسب من؟

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

أما المعارضة، فقد تحوّلت إلى ظل باهت؛ تصريحات موسمية بلا بدائل جديّة. والإعلام المستقل والنخب الفكرية التزموا صمتاً ملتبساً، لا يُعرف إن كان خوفاً، أو تواطؤاً ناعماً، أو اقتناعاً بأن لا بديل خارج منطق السوق.

اليوم، ومع منتصف الولاية، يرتفع السؤال الشعبي الكبير: هل هذه حكومة تُدبّر الوطن؟ أم تُدبّر مصالحها فقط؟ وهل يكفي ما تبقى من زمن تشريعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن هذا التحالف العددي يعيش فعلاً أيامه الرمزية الأخيرة؟

الجواب قد يختلف من سياسي لآخر، لكن المؤكد أن ما بعد 2021 لن يُقاس فقط بالانتخابات، بل بمدى قدرتنا على مراجعة مسار سياسي كامل، انحرف عن هموم الناس، وركّب حكومة على مقاس السوق بدل أن يفتح أفقاً لمغرب اجتماعي عادل كما أراده الملك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى