
تحقيقات بالرباط بعد استخراج بطاقة وطنية لقاصر دون إذن والده
تحقيقات بالرباط بعد استخراج بطاقة وطنية لقاصر دون إذن والده
شهدت العاصمة الرباط خلال الأيام الماضية جدلًا واسعًا عقب كشف واقعة مثيرة تتعلق باستخراج بطاقة تعريف وطنية لقاصر دون موافقة والده، وهو ما فتح الباب أمام تحقيقات موسّعة داخل جهاز الأمن.
القصة بدأت حين اكتشف مهاجر مغربي مقيم بأوروبا أن ابنه القاصر حصل على بطاقة تعريف وطنية جديدة دون علمه. المفاجأة كانت صادمة بالنسبة إليه، إذ أكد أن وثائق أساسية جُمعت بطرق مشبوهة، بداية من شهادة السكنى التي استُخرجت من دائرة أمنية بحي يعقوب المنصور، وصولًا إلى بقية المستندات التي مهّدت لحصول القاصر على البطاقة. حينها قرر الأب التوجه مباشرة إلى النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني، حيث وضع شكاية رسمية حرّكت مسارًا إداريًا وأمنيًا معقدًا.
المفتشية العامة للأمن الوطني باشرت منذ بداية الأسبوع الجاري الاستماع إلى عدد من المسؤولين والأطر الأمنية بمركز المعطيات التعريفية والشخصية قرب ولاية الأمن بالرباط.
في مقدمة المستدعين مسؤول أمني رفيع المستوى، إضافة إلى شرطيتين تعملان بالمركز ذاته، بينما ينتظر وصول شرطية ثالثة من عطلتها السنوية لاستكمال جلسات الاستماع. وبينما سارع عميد الشرطة إلى نفي أي مسؤولية له في الموضوع محملًا تبعاته للعاملات تحت إشرافه، أصرت الشرطيتان المستمعت إليهما على إنكار أي علاقة لهما بالحادث.
التحقيقات ما تزال مفتوحة، غير أن أجواء الترقب تسود بين موظفي المركز المعني، الذين يخشون أن تطالهم شبهة التورط أو الإهمال. وبحسب مصادر مطلعة، فإن نتائج البحث الداخلي ستكون حاسمة في ترتيب الجزاءات الإدارية وربما العقوبات القضائية، إذ لم يُستبعد أن يُحال الملف على القضاء الزجري إذا ثبتت المخالفات.
القضية الحالية أعادت إلى الواجهة حوادث سابقة، حين كشفت المديرية العامة للأمن الوطني قبل فترة قصيرة عن تجاوزات مماثلة في مركزي التعريف بكل من الرباط وسلا، حيث جرى استخراج بطاقتين لمبحوث عنهما. الأمر الذي جعل هذه المؤسسة الأمنية تعلن التزامها الصارم بتخليق المرفق العمومي وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الوالد المهاجر من جانبه لم يكتفِ بالشكاية الأولى، بل يطرق اليوم أبواب القضاء من أجل متابعة كل من قد يثبت تورطه، معتبرًا أن استخراج بطاقة وطنية لشخص قاصر دون إذن وليه الشرعي يشكل خرقًا خطيرًا للقانون ومسًّا بهيبة الوثيقة الوطنية. فالبطاقة ليست مجرد ورقة تعريفية، بل وثيقة سيادية ترتبط بحقوق المواطنة وتستعمل في مختلف المعاملات الإدارية والقانونية، وأي تلاعب بها يهدد الثقة في المؤسسات.
المثير في هذه الواقعة أن جميع الأطراف المتورطة تسعى إلى التنصل من المسؤولية، ما يطرح تساؤلات عن آليات الرقابة داخل المراكز الأمنية ومدى فعالية المدونة الأخلاقية التي طالما أكدت المديرية العامة على تفعيلها. فإذا كان عميد الشرطة ينفي مسؤوليته، والشرطيات ينكرن صلتهن بالموضوع، فمن يتحمل إذن مسؤولية إصدار بطاقة لقاصر بطرق غير قانونية؟
هذه الحادثة تسلط الضوء على معضلة حقيقية تتعلق بمدى انضباط الأجهزة المكلفة بإصدار الوثائق الرسمية. كما أنها تكشف أن شعار الإصلاح وحده لا يكفي ما لم يترجم إلى ممارسات واضحة وعقوبات رادعة. فالمواطن البسيط بحاجة إلى أن يثق في مؤسسات بلاده، وأن يطمئن إلى أن حقوقه وحقوق أبنائه محمية من أي تجاوز.
إن القضية لا تقف عند مجرد خطأ إداري، بل قد تشكل اختبارًا جديدًا لمدى جدية الدولة في محاربة الفساد وتطبيق مبدأ الشفافية. وما لم تُتخذ إجراءات حقيقية، فإن مثل هذه الحوادث ستظل تتكرر، لتُضعف ثقة الناس في الجهاز الأمني الذي يُفترض أن يكون حاميًا للهوية والكرامة معًا.






