
«البام» يفتح أبوابه للمنتخبين.. هل يعيد خريطة انتخابات 2021؟
«البام» يفتح أبوابه للمنتخبين.. هل يعيد خريطة انتخابات 2021؟
كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية، ارتفعت وتيرة انتقال المنتخبين والأعيان بين الأحزاب، وكأن الخريطة السياسية المغربية لا تُرسم فقط داخل المقرات الحزبية، بل يعاد ترتيبها أيضاً في الأسابيع الأخيرة التي تسبق الاقتراع.
وقبل انتخابات 23 شتنبر 2026، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة في موقع متقدم داخل موجة الاستقطاب الحالية، مستفيداً من التحاق أسماء وازنة قادمة من أحزاب أخرى، في مشهد يعيد إلى الواجهة ما عاشه حزب التجمع الوطني للأحرار قبل انتخابات 2021.
فالأحرار دخلوا استحقاق 2021 بشبكات انتخابية قوية بعد استقطاب منتخبين وأعيان وفاعلين محليين من أحزاب متعددة. واليوم، يتكرر السيناريو تقريباً، لكن مع «البام» الذي يفتح أبوابه أمام أسماء تبحث عن موقع جديد داخل الخريطة السياسية المقبلة.
المسألة لا تتعلق فقط بتغيير الانتماء الحزبي. ففي كثير من الدوائر، يمثل المنتخب أو العَيّان شبكة انتخابية قائمة بذاتها، بما تتضمنه من علاقات محلية وقدرة على التعبئة والتأثير في اتجاهات التصويت. ولهذا تتحول عملية الاستقطاب، خصوصاً قبيل الانتخابات، إلى استثمار مباشر في الخريطة الانتخابية.
لكن هذا الأسلوب يضع العمل الحزبي أمام معادلة صعبة. فبدل أن تُبنى القوة الانتخابية على مدى سنوات عبر التنظيم والتأطير والبرامج والحضور الميداني، يمكن أن يصبح ضم الأسماء ذات النفوذ المحلي أقصر طريق نحو تعزيز فرص الفوز.
وإذا نجح «البام» في تصدر انتخابات 2026 بعد موجة الاستقطابات الحالية، فإن النتيجة ستعطي وزناً أكبر لهذا النموذج في صناعة القوة الانتخابية. أما إذا لم تتحول الأسماء الجديدة إلى أصوات فعلية داخل صناديق الاقتراع، فستظهر حدود الرهان على الاستقطاب وحده.
اللافت اليوم أن الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية الحكومية تخوض منافسة انتخابية فيما بينها، أكثر مما تنشغل بالدفاع المشترك عن حصيلة خمس سنوات من التدبير الحكومي.
فالتجمع الوطني للأحرار، باعتباره الحزب الذي يقود الحكومة، تعرض خلال الفترة الأخيرة لانتقادات سياسية من حليفيه حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، فيما تحولت العلاقة داخل الأغلبية إلى مساحة للمنافسة العلنية على المواقع والمراتب والمنتخبين.
وبدل أن تظهر الأغلبية ككتلة سياسية تدافع عن حصيلة واحدة، باتت مكوناتها تتصرف في عدد من الملفات بمنطق انتخابي مستقل، وكأن الانتخابات المقبلة بدأت فعلياً قبل موعدها القانوني.
وهنا تظهر إحدى المفارقات اللافتة في المشهد الحالي: أحزاب تشارك في الحكومة نفسها، لكنها تتنافس في ما بينها على الناخب والمنتخب والمرشح، وتستخدم في بعض الأحيان خطاباً أقرب إلى خطاب المعارضة ضد شريك حكومي.
هذا الوضع يختلف عن المرحلة التي أعقبت دستور 2011، خصوصاً خلال السنوات التي قاد فيها حزب العدالة والتنمية الحكومة. فرغم الخلافات التي طبعت التحالفات الحكومية آنذاك، كان الحفاظ على تماسك الأغلبية جزءاً من الحساب السياسي للحكومة والحزب الذي يقودها.
اليوم، تبدو الحسابات مختلفة. كل حزب يستعد للانتخابات بمنطق خاص، وكل قيادة تحاول تأمين أكبر عدد ممكن من المرشحين والأسماء المؤثرة قبل أن تغلق أبواب الترشيحات.
والنتيجة أن المنافسة السياسية تنتقل تدريجياً من البرامج والحصيلة إلى سؤال آخر: من يمتلك أكبر شبكة انتخابية؟
هذا التحول لا يخص حزباً واحداً. فالأحرار استفادوا من الاستقطاب في محطة 2021، واليوم يستفيد «البام» من الظاهرة نفسها. وغداً قد يستفيد منها حزب آخر. المشكلة ليست في انتقال سياسي مشروع في حد ذاته، وإنما في أن يتحول الانتقال الموسمي إلى بديل دائم عن البناء الحزبي.
فالبرنامج الانتخابي يحتاج إلى تنظيم يحمله، والخطاب السياسي يحتاج إلى قواعد تدافع عنه، والحضور في المؤسسات يحتاج إلى نخب تتدرج داخل الأحزاب. أما جمع الأسماء قبيل الاقتراع فقد يمنح دفعة انتخابية سريعة، لكنه لا يبني بالضرورة حزباً قوياً على المدى الطويل.
انتخابات 23 شتنبر 2026 ستكون الاختبار الفعلي لهذا النموذج. وإذا تمكن «البام» من تحقيق قفزة كبيرة بفضل موجة الاستقطاب الحالية، فقد يصبح ما يحدث اليوم أكثر من مجرد تحالفات انتخابية ظرفية، وقد يتحول إلى طريقة جديدة لإعادة تشكيل الخريطة الحزبية المغربية.
أما إذا بقيت النتائج بعيدة عن حجم الانتقالات، فستكون الرسالة مختلفة: الأعيان قد يساعدون الحزب على دخول السباق بقوة، لكن الصندوق وحده يحدد في النهاية قيمة تلك الشبكات.
وفي الحالتين، يبقى السؤال السياسي الأعمق مرتبطاً بمستقبل الحزب نفسه: هل ستظل الأحزاب تبني قوتها بين الانتخابات، أم أن موسم الاستقطاب سيصبح هو الموسم الحقيقي لبناء النفوذ؟







