
آيت بوكماز على لسان رئيس الحكومة… عجزٌ وسخرية في قبة البرلمان
آيت بوكماز على لسان رئيس الحكومة… عجزٌ وسخرية في قبة البرلمان
مرة أخرى، يحل رئيس الحكومة بجلسة شهرية في البرلمان. ومرة أخرى، يغادر وقد خلّف خلفه موجة من الجدل، ومزيدًا من الخيبات التي لم تعد تفاجئ أحدًا.
فكأن الفصل الدستوري الذي يفرض حضوره أمام النواب بات أداة لفضح عجزه بدل محاسبته، وكأن ما كان من المفروض أن يُفعّل الرقابة تحول إلى مسرح لاستعراض الارتباك والارتجال.
منذ سنوات، يُنتظر من رئيس الحكومة أن يكون الصوت الثاني بعد الملك في هرم الدولة. لكن ما نراه في كل جلسة برلمانية يشي بعكس ذلك تمامًا.
فلا خطاب يرقى، ولا رؤية تتضح، بل مجرد تهجئة ثقيلة للكلمات، وعجز بيّن حتى عن التعبير بالدارجة المغربية، ما يضع الجميع أمام مشهد سوريالي يصعب تصديقه.
والأدهى من ذلك، أن هذه الجلسات صارت عبئًا حقيقيًا على صورة المؤسسة التشريعية نفسها، بل إنها تحوّلت إلى لحظة يهرب منها الأمل السياسي وتُغتال فيها كاريزما رجل الدولة.
خلال آخر ظهور له تحت قبة البرلمان، لم يكتفِ رئيس الحكومة بالتلعثم أو التكرار، بل فجّر عاصفة من الغضب الشعبي حين تناول وضع جماعة آيت بوكماز بكلمات جارحة، حمّل فيها الساكنة مسؤولية الفقر والتهميش الذي يعيشونه، وكأنهم من صنعوا واقعهم المأساوي بأيديهم.
هذه الكلمات لم تمر مرور الكرام، لأنها لم تصدر عن مواطن عادي في بث مباشر على “تيك توك”، بل جاءت من رئيس حكومة من المفروض أن يكون أول من يفهم وجع المغاربة، لا أن يُضيف عليه مزيدًا من الملح.
في زمن الدولة الاجتماعية، يُفترض أن تكون كرامة المواطن حجر الأساس. لكن كيف يمكن الحديث عن كرامة، في قرى لا تعرف معنى الطب، وفي جبال لا يصلها إلا الجفاف والوعود المؤجلة؟
كيف نقنع الناس بـ”الإنجاز” وهم يبحثون عن طبيب واحد ولا يجدونه؟
فالسياسة ليست فقط بلاغات حكومية أو شعارات في المؤتمرات، بل هي القدرة على الاستماع، والفعل، والمواجهة الصادقة مع الواقع، لا الهروب إلى الأمام بتصريحات تستفز أكثر مما تطمئن.
ما يجعل المشهد أكثر مرارة، هو هذا الاعتقاد السائد لدى البعض بأن امتلاك المال أو دفاتر الشيكات يمكن أن يصنع رجال الدولة. لكن التجربة علّمتنا أن الزعامة لا تُشترى، وأن الكاريزما لا تُستورد، وأن المنصب لا يليق إلا بمن يستحقه حقًا.
والمؤلم أن البعض يتعامل مع الفقراء كما لو كانوا مجرد رقم في خطاب، أو مشهد عابر في لقطات دعائية. بينما المطلوب ليس التباهي بالمبيت بينهم، بل تقديم حلول تعيد لهم الثقة في وطنهم ومؤسساته.
قد يكون من الحكمة إعادة التفكير في هذا الفصل الذي يُجبر رئيس الحكومة على الحضور شهريًا إلى البرلمان. لا لأن الرقابة غير مهمة، ولكن لأن ما يجري في الواقع لا علاقة له لا بالرقابة ولا بالمحاسبة.
ولعل الوقت قد حان للبحث عن قراءة قانونية أكثر نجاعة، أو تعديل دستوري يعفي البلاد من هذا “اللا معنى” الذي يتكرر، ويمنح البرلمان آلية أكثر فاعلية لمحاسبة الأداء بدل متابعة التأتأة والعبارات المبتورة.






