
تقرير مجلس الحسابات يفضح حكومة أخنوش.. عطش وبطالة وغلاء
تقرير مجلس الحسابات يفضح حكومة أخنوش.. عطش وبطالة وغلاء
تحول التقرير السنوي لـ المجلس الأعلى للحسابات إلى مادة سياسية ثقيلة داخل البرلمان، بعدما اعتبرته مكونات من المعارضة بمثابة “وثيقة إدانة سياسية” تكشف بالمعطيات والأرقام حجم الاختلالات التي ما تزال ترافق أداء الحكومة، رغم تضخم الميزانيات وتعدد البرامج والشعارات المرتبطة بـ”الدولة الاجتماعية”.
النقاش الذي رافق عرض التقرير لم يكن تقنياً فقط، بل حمل نبرة سياسية حادة أعادت إلى الواجهة أسئلة مرتبطة بجدوى السياسات العمومية، ومدى قدرة الحكومة على تحويل الأرقام والوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن داخل حياته اليومية.
أكثر ما أثار الجدل هو ما يتعلق باستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية، حيث اعتبر متدخلون أن المغرب ما يزال يعيش بمنطق “السرعتين”، في وقت تستفيد فيه بعض المناطق من المشاريع والبنيات الأساسية، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة العطش والهشاشة وضعف الخدمات الأساسية.
وخلال المناقشات البرلمانية، جرى التوقف عند الوضع المائي بجهة فاس مكناس، حيث تعيش جماعات ومناطق قروية على وقع أزمة عطش متواصلة، رغم وجود سد الوحدة، أكبر سد بالمغرب. وهو المشهد الذي دفع بعض البرلمانيين إلى التساؤل بسخرية سياسية لاذعة: “إذا كان حتى الماء دخل فيه باك صاحبي والفراقشية، فماذا بقي للمواطن البسيط؟”
وفي المغرب، يبدو أن السدود تُملأ بالأرقام والخطابات أكثر مما تصل مياهها إلى بعض القرى المنسية، حيث ما تزال “الصهاريج” تقوم مقام الشبكات الحديثة، بينما تتحدث الحكومة عن الأمن المائي والاستراتيجيات الكبرى.
ملف الحماية الاجتماعية كان بدوره في قلب الانتقادات، بعدما اعتبرت المعارضة أن الورش الذي أعطى انطلاقته الملك محمد السادس كان موجهاً أساساً لحماية الأرامل والمسنين والأشخاص في وضعية هشاشة، غير أن طريقة تنزيل الحكومة للمشروع خلقت، بحسب المنتقدين، نوعاً من الإقصاء بسبب مؤشرات وتصنيفات اجتماعية “تصعد وتهبط” حسب التعبير الذي تردد داخل البرلمان.
الانتقادات لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى قطاع الصحة وغلاء الأدوية، حيث جرى الحديث عن استمرار أسعار بعض الأدوية في مستويات مرتفعة مقارنة بدول أخرى، في وقت يجد فيه المواطن المغربي نفسه عاجزاً عن تحمل تكاليف العلاج.
أحد البرلمانيين اختصر المشهد بجملة أثارت الانتباه داخل الجلسة: “الدواء عندنا بمليون.. وبرا بـ400 درهم”، في إشارة إلى الفارق الكبير في أسعار بعض العلاجات، وسط دعوات للمجلس الأعلى للحسابات للتدخل من أجل فتح هذا الملف الذي يثقل كاهل المرضى.
كما حضرت بقوة قضية الأمن الغذائي وجودة المواد الاستهلاكية، خاصة بعد الانتقادات المرتبطة ببعض المنتجات المعروضة في الأسواق، والحديث عن مواد موجهة أصلاً للتصدير تعود إلى السوق المحلية وسط مخاوف مرتبطة بالجودة والسلامة الصحية.
ومع اقتراب عيد الأضحى، عاد ملف غلاء اللحوم والأضاحي إلى الواجهة، حيث طالب متدخلون الحكومة بالتحرك لضبط الأسعار وتمكين الأسر المغربية من الاحتفال بالعيد دون الدخول في دوامة جديدة من الديون والمعاناة.
أما البطالة، فقد ظهرت مرة أخرى كواحدة من أكثر نقاط ضعف الأداء الحكومي، خصوصاً بعد الأرقام المرتبطة بجهة فاس مكناس، حيث تجاوز معدل البطالة 14 في المائة. وهي معطيات دفعت بعض النواب إلى انتقاد ما وصفوه بغياب حلول حقيقية لفائدة الشباب، الذين لم يعودوا يطالبون “بوظائف الأحلام”، بل بفرص بسيطة تحفظ الكرامة وتمنح الحد الأدنى من الاستقرار.
وخلال الجلسة، تم أيضاً تسليط الضوء على أوضاع حراس الأمن الخاص داخل المدارس والمستشفيات، الذين يشتغل عدد منهم بأجور هزيلة لا تصل حتى إلى الحد الأدنى للأجر، إضافة إلى معاناة عدد كبير من المتقاعدين الذين يعيشون بمعاشات وُصفت بـ”المهينة”.
النقاش البرلماني لم يقتصر على الجانب الاجتماعي فقط، بل امتد إلى الاستثمار والمالية العمومية، حيث اعتبرت المعارضة أن الحكومة فشلت في خلق الدينامية الاقتصادية الموعودة، رغم إطلاق ميثاق الاستثمار والحديث المتكرر عن تحفيز المقاولات.
كما أثار تقرير المجلس الأعلى للحسابات الجدل بخصوص اللجوء المتزايد إلى ما يسمى بـ**“التمويلات المبتكرة”**، وسط تحذيرات من انعكاساتها المستقبلية على التوازنات المالية وعلى الأجيال المقبلة.
وفي ظل هذا السجال، بدا واضحاً أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات تحول هذه السنة إلى مرآة سياسية تعكس حجم التوتر القائم بين الحكومة والمعارضة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي النهاية، قد تختلف الأحزاب حول تفسير الأرقام والمعطيات، لكن شيئاً واحداً بدا واضحاً داخل البرلمان: المواطن المغربي لم يعد ينتظر تقارير جديدة بقدر ما ينتظر نتائج حقيقية يشعر بها في الماء والدواء والشغل والعيش الكريم.






