
“غلوفو” بالمغرب.. حين يتحول توصيل الطلبات إلى سباق استنزاف للشباب
“غلوفو” بالمغرب.. حين يتحول توصيل الطلبات إلى سباق استنزاف للشباب
في شوارع المدن المغربية، لم يعد اللون الأصفر المرتبط بشركة Glovo مجرد علامة على خدمة توصيل سريعة، بل أصبح بالنسبة لآلاف الشباب عنواناً ليوم طويل من الجري خلف الطلبات، والسباق مع الوقت، ومواجهة الشوارع والحوادث والضغط النفسي، مقابل دخل بالكاد يكفي لتغطية المصاريف الأساسية.
خلف صورة التطبيق العصري الذي يَعِدُ الزبائن بالراحة والسرعة، يعيش آلاف الشباب المغاربة واقعاً مختلفاً تماماً. شباب يخرجون منذ الصباح الباكر وهم يحملون حقائب التوصيل على ظهورهم، لا يعرفون متى سينتهي يوم العمل، ولا كم سيجنون فعلياً مع نهاية اليوم، في واحدة من أكثر المهن التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى نموذج جديد للهشاشة المقنعة.
شركة “غلوفو”، التي تشغل آلاف سائقي التوصيل بالمغرب، تقدم نفسها باعتبارها منصة تكنولوجية توفر فرص الشغل والمرونة، غير أن كثيراً من العاملين داخل هذا القطاع يرون أن الواقع مختلف تماماً. فالمرونة التي تتحدث عنها الشركات تتحول عملياً إلى ضغط يومي متواصل، حيث يجد السائق نفسه مضطراً للبقاء متصلاً بالتطبيق لساعات طويلة حتى يتمكن من تحقيق مدخول يسمح له فقط بالاستمرار.
المفارقة أن أغلب هؤلاء الشباب لا يستفيدون من أبسط شروط الاستقرار المهني. لا عقود واضحة، لا تغطية اجتماعية حقيقية بالمعنى الذي يضمن الكرامة، ولا حماية فعلية من مخاطر الطريق، رغم أن أغلبهم يقضي يومه بين السيارات والدراجات والشوارع المزدحمة، تحت ضغط التوصيل السريع وتقييمات الزبائن والخوارزميات التي تتحكم في كل شيء.
وفي المغرب، يبدو أن التكنولوجيا وجدت أخيراً الطريقة المثالية لاستغلال البطالة. لم يعد العامل بحاجة إلى “رب عمل” يصرخ في وجهه داخل المصنع، لأن التطبيق نفسه يقوم بالمهمة بهدوء رقمي بارد. إشعار صغير على الهاتف قد يحدد إن كنت ستعمل اليوم أم ستبقى خارج اللعبة، وتقييم منخفض قد يعني ببساطة تراجع عدد الطلبات وضرب مصدر رزق شاب لا يملك بديلاً آخر.
عدد كبير من سائقي التوصيل يتحدثون عن ساعات عمل مرهقة تمتد أحياناً لأكثر من 12 ساعة يومياً، فقط للوصول إلى دخل متوسط، في وقت يتحمل فيه العامل كل التكاليف تقريباً: البنزين، صيانة الدراجة، الهاتف، الإنترنت، وحتى مخاطر الحوادث. أما الشركة، فتحتفظ بصورة “الوسيط الرقمي” الذي يربط بين المطعم والزبون دون تحمل كامل المسؤولية الاجتماعية تجاه من يصنعون الخدمة فعلياً على الأرض.
المشهد في كثير من الأحيان يبدو قاسياً. شباب في مقتبل العمر يركضون خلف الطلبات تحت حرارة الصيف أو أمطار الشتاء، يتناولون وجباتهم بسرعة على الأرصفة، ويعيشون ضغطاً يومياً يشبه سباقات البقاء، فقط من أجل “خبز حلال” كما يقول كثير منهم.
ورغم ذلك، تستمر هذه التطبيقات في التوسع وتحقيق الأرباح، مستفيدة من واقع اقتصادي صعب يدفع آلاف الشباب إلى قبول أي فرصة عمل مهما كانت شروطها قاسية. فحين تصبح البطالة شبحاً يومياً، يتحول التطبيق إلى “طوق نجاة” مؤقت، حتى وإن كان مليئاً بالاستنزاف والتعب وعدم الاستقرار.
اللافت أيضاً أن النقاش حول حقوق العاملين في الاقتصاد الرقمي ما يزال متأخراً بالمغرب، رغم أن هذا القطاع أصبح يشغل آلاف الشباب. فلا قوانين واضحة تؤطر وضعية سائقي التطبيقات بشكل دقيق، ولا حماية كافية تضمن لهم الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والمهنية.
وبينما تتحدث الشركات عن “الحرية” و”العمل المرن”، يرى كثير من المتابعين أن ما يحدث أقرب إلى شكل جديد من العبودية الناعمة، حيث يتحول العامل إلى رقم داخل تطبيق، يُقاس بالمردودية والسرعة وعدد الطلبات، لا باعتباره إنساناً له حقوق وظروف اجتماعية.
في النهاية، لا أحد ينكر أن تطبيقات التوصيل وفرت فرص دخل لآلاف الشباب المغاربة، لكن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق فقط بتوفير العمل، بل بطبيعة هذا العمل نفسه. لأن الفرق كبير بين فرصة تحفظ الكرامة، وفرصة تجعل الشباب يركضون طوال اليوم خلف إشعار إلكتروني لا يرحم.







