آخر الأخبار

نزار بركة.. حين تجري الوعود أسرع من مياه الصرف الصحي

نزار بركة.. حين تجري الوعود أسرع من مياه الصرف الصحي

نزار بركة.. حين تجري الوعود أسرع من مياه الصرف الصحي

في المغرب، يبدو أن بعض المشاريع لا تعاني من نقص في الأموال بقدر ما تعاني من مشكلة في الوصول إلى خط النهاية. فالمليارات تُرصد، والبرامج تُعلن، والأهداف تُحدد إلى غاية سنة 2040، بينما تظل أسئلة التنفيذ معلقة، وكأن المطلوب من المواطن أن يتحلى بالصبر إلى أن تقتنع الأرقام بدورها بالتحرك.

نزار بركة، وزير التجهيز والماء، يجد نفسه أمام واحدة من هذه المفارقات: الدولة تخصص 1.7 مليار درهم للسنة الثالثة على التوالي لصندوق التطهير السائل ومعالجة المياه العادمة، لكن الصندوق لم ينفق سنة 2025 سوى 490.8 مليون درهم من أصل 3.16 مليارات درهم كانت متاحة له. أي إن أقل من سدس الموارد المتوفرة تحول إلى نفقات فعلية، فيما بقيت مليارات الدراهم تنتظر دورها في الحسابات.

هنا تبدأ السخرية السياسية من دون الحاجة إلى اختراع النكات: المال موجود، والبرنامج موجود، والأهداف موجودة، لكن السؤال البسيط يظل حاضراً: أين وصلت المشاريع؟ يبدو أن بعض الاعتمادات المالية تتمتع براحة أكبر من المواطنين الذين ينتظرون نتائجها.

والأكثر إثارة للاستغراب أن الرصيد المتبقي للصندوق بلغ 2.67 مليار درهم في نهاية سنة 2025، بينما لا يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2027 تفاصيل دقيقة بشأن المدن والمشاريع التي ستستفيد من التمويلات الجديدة، ولا يوضح كيف ستوزع الاعتمادات بين شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة وإعادة استعمال المياه العادمة.

وبهذه الطريقة، يصبح الإعلان عن المليارات خبراً جاهزاً للنشر، أما معرفة أين ستذهب ومتى ستتحول إلى مشاريع منجزة، فتحتاج إلى رحلة أخرى بين الوثائق والتقارير والبرامج المستقبلية.

وفي ملف الماء، لا يتعلق الأمر بأرقام جامدة في جداول الميزانية. فالمغرب يواجه ضغطاً متزايداً على موارده المائية، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة يفترض أن تكون جزءاً من الحل. ومع ذلك، لا يتجاوز الحجم المعاد استعماله حالياً 52.6 مليون متر مكعب سنوياً، مقابل هدف يبلغ 573 مليون متر مكعب في أفق 2040. وبين الرقمين مسافة لا يمكن اختصارها في بلاغ صحافي أو عرض تقديمي.

أما المفارقة الأخرى، فتظهر حين نعلم أن ملاعب الغولف تستفيد من نحو 20.5 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المعالجة، بينما تظل الحاجة قائمة إلى توسيع الاستعمالات الأخرى، خصوصاً في ظل الضغط على الموارد المائية. وليس الاعتراض هنا على استعمال هذه المياه في سقي الملاعب، بل على غياب توضيح كافٍ بشأن ترتيب الأولويات وتوسيع الاستفادة، بما فيها الاستعمالات الفلاحية والصناعية.

سياسياً، لا يكفي أن يعلن الوزير عن برنامج بقيمة 3.02 مليارات درهم لرفع حجم المياه المعالجة المعاد استعمالها إلى 100 مليون متر مكعب بحلول نهاية 2027. فالسؤال الذي ينتظر الجواب ليس كم تبلغ قيمة البرنامج، بل كم أُنجز منه، وما الذي تحقق على الأرض، وكيف ستتكامل هذه الخطة مع اعتمادات الصندوق التي لا تزال تفاصيل توزيعها غير واضحة في الوثائق المالية.

لقد اعتاد الخطاب الحكومي أن يقدم المستقبل في صورة منظمة: أهداف طموحة، ومواعيد محددة، وأرقام كبيرة. لكن الحاضر لا يقرأ البلاغات؛ الحاضر يقرأ النتائج. والمواطن لا يستطيع أن يستحم بالاستراتيجيات، ولا أن يسقي أرضه بالوعود، ولا أن يعالج مشكلة الصرف الصحي بمجرد الإعلان عن غلاف مالي جديد.

ليس من الإنصاف تحميل نزار بركة وحده مسؤولية كل اختلال في قطاع تتداخل فيه اختصاصات وزارات ومؤسسات وجماعات ترابية. لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن نصيب وزارة التجهيز والماء من المسؤولية، وعن أسباب ضعف التنفيذ، وعن المشاريع التي تعثرت، وعن الإجراءات التي ستمنع تكرار المشهد نفسه.

فالسياسة ليست مسابقة في الإعلان عن أكبر الأرقام، بل اختبار في تحويل الميزانيات إلى خدمات ملموسة. وإذا كانت الأموال المرصودة لا تجد طريقها بالسرعة المطلوبة إلى المشاريع، فإن المطلوب ليس إعلاناً جديداً عن المليارات، بل تفسير واضح لما حدث، وجدول زمني قابل للتتبع، ومحاسبة على النتائج.

وفي انتظار ذلك، قد يبدو أن المياه العادمة ليست وحدها التي تحتاج إلى المعالجة؛ فهناك أيضاً فجوة بين ما تعلنه البرامج وما تكشفه حصيلة التنفيذ. أما المواطن، فلا ينتظر من الوزير أن يَعِده بمستقبل مائي مثالي، بقدر ما ينتظر أن يعرف لماذا بقيت مليارات متاحة، ولماذا لم تتحول كلها إلى إنجازات، ومتى ستصبح الأهداف المعلنة واقعاً يمكن قياسه بدل أن تظل أرقاماً جميلة في وثائق الميزانية.

مقالات ذات صلة

آخر الأخبار

تابع الأخبار24