الجامعات بالمغرب.. مضاعفة العدد إلى 27 تفتح أسئلة الإصلاح والإنصاف
يدخل مشروع مراجعة الخريطة الجامعية بالمغرب مرحلة جديدة، مع توجه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى رفع عدد الجامعات العمومية من 12 إلى 27 جامعة، بهدف إحداث جامعة واحدة على الأقل في كل جهة، وتوسيع العرض الجامعي ليشمل مناطق ظلت لسنوات تواجه صعوبات في الولوج إلى التعليم العالي.
ودافع وزير التعليم العالي، عز الدين الميداوي، عن هذا التوجه، الذي يشمل جهات ومناطق من بينها الداخلة والعيون وكلميم والرشيدية، معتبراً أن مراجعة الخريطة الجامعية تندرج ضمن معالجة الاختلالات المجالية التي تطبع توزيع المؤسسات الجامعية بالمملكة.
وتقدر كلفة المرحلة الأولى من المشروع، المرتبطة ببناء مقرات رئاسة الجامعات الجديدة وتشغيلها، بنحو 200 مليون درهم، فيما قد تصل الكلفة الإجمالية إلى ملياري درهم في أفق سنة 2030، وفق المعطيات المقدمة بشأن المشروع.
وتأتي هذه الخطوة في سياق اختلالات واضحة في توزيع المؤسسات الجامعية، إذ أشار الوزير إلى أن نصف المؤسسات الجامعية تتركز في ثمانية أقاليم، مقابل غيابها عن أكثر من 37 إقليماً، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتكافؤ الفرص وتقريب التعليم العالي من الطلبة، خصوصاً في المناطق البعيدة عن المراكز الجامعية الكبرى.
ولا يقتصر التحدي على توسيع الخريطة الجامعية، بل يمتد إلى استيعاب الارتفاع المرتقب في أعداد الطلبة، إذ تشير التوقعات المعروضة إلى إمكانية زيادة عددهم بنسبة 35 في المائة بحلول سنة 2030. وفي المقابل، تبرز أرقام أخرى مرتبطة بالهدر الجامعي، تفيد بأن نصف الطلبة يغادرون الجامعة بعد السنة الأولى، ما يعيد إلى الواجهة سؤال قدرة المؤسسات الجامعية على ضمان الاستمرارية والنجاح، وليس فقط توفير مقاعد إضافية.
وفي هذا السياق، سجلت الفترة الممتدة بين 2024 و2026 إحداث 66 مؤسسة جامعية، منها 46 مؤسسة ناتجة عن تقسيم مؤسسات ذات الولوج المفتوح، و20 مؤسسة من الجيل الجديد، بينما تنتظر 17 مؤسسة إضافية المصادقة على مشروع مرسوم لإحداثها.
وشملت توسعة العرض الجامعي أقاليم تاوريرت وتارودانت وتزنيت وتاونات، التي أصبحت تتوفر على مؤسسات جامعية لأول مرة، فيما يتضمن المشروع إحداث جامعة بالرشيدية وقطب جامعي بورزازات، في إطار مساعٍ لتقليص المسافات التي يضطر الطلبة إلى قطعها لمتابعة دراستهم.
غير أن النقاش البرلماني حول الإصلاح كشف أن توسيع البنية الجامعية لا ينفصل عن الإشكالات الاجتماعية التي تواجه الطلبة. فقد أثار نواب من المعارضة استمرار قيمة المنح الجامعية دون مراجعة منذ سنة 2019، معتبرين أنها لم تعد تواكب ارتفاع تكاليف المعيشة، كما انتقدوا تأخر صرف شطر شهر أكتوبر، وما قد يترتب عنه من صعوبات في الالتحاق بالدراسة وتغطية مصاريف السكن والتنقل.
كما برزت إشكالية الجمع بين المنحة الجامعية والدعم الاجتماعي المباشر، بعدما أثار نواب مسألة توقف الدعم الذي تستفيد منه أسر بعض الطلبة عند حصول أبنائها على المنحة، وهو ما يفتح النقاش حول مدى انسجام آليات الدعم العمومي، وضرورة تفادي وضع الأسر والطلبة أمام اختيارات قد تؤثر في قدرتهم على مواصلة الدراسة.
وفي جهة درعة تافيلالت، دعا نواب إلى إحداث جامعة مستقلة وإعادة إطلاق 47 نواة جامعية، مع إثارة وضعية قاعات دراسية بورزازات ظلت مغلقة منذ زلزال 8 شتنبر 2023. وتعكس هذه المطالب استمرار النقاش بشأن التفاوتات المجالية، ومدى قدرة المشاريع الجديدة على الاستجابة للحاجيات الفعلية للطلبة في المناطق التي تعاني محدودية العرض الجامعي.
وامتدت الانتقادات إلى مسألة تكافؤ الفرص بين الجنسين، حيث نبهت مداخلة برلمانية إلى أن تفاوت فرص الولوج إلى التعليم العالي بين الفتيات والفتيان يساهم في الانقطاع الجامعي ببعض الأقاليم، من بينها الصخيرات تمارة. ويضع هذا المعطى مسألة القرب الجغرافي والظروف الاجتماعية في صلب النقاش حول نجاح الإصلاح الجامعي.
ومن جهة أخرى، حذر نواب من اختزال إصلاح الجامعة في رفع عدد المؤسسات وتوسيع انتشارها، مشيرين إلى ضعف الإنتاج في مجال البحث العلمي وإلى تسجيل 63 براءة اختراع، وفق الأرقام التي جرى تداولها خلال المناقشة. ويطرح هذا الجانب سؤال قدرة الجامعات الجديدة على توفير بيئة للبحث والابتكار، إلى جانب مهام التدريس والتكوين.
كما أثار التوقيت الجامعي الميسر نقاشاً بين الوزارة والبرلمانيين. ودافع الوزير عن هذا النظام، مؤكداً أنه ساهم في تقليص الاكتظاظ بنسبة تتراوح بين 25 و30 في المائة ببعض المؤسسات، وأن الموظفين والأجراء يشكلون نحو 40 في المائة من المسجلين فيه، مع إبدائه الاستعداد لمناقشة الموضوع داخل اللجنة البرلمانية المختصة.
وبين الطموح إلى رفع عدد الجامعات العمومية من 12 إلى 27 جامعة، والإكراهات المرتبطة بالتمويل والمنح والهدر الجامعي والبحث العلمي، يظل نجاح مراجعة الخريطة الجامعية رهيناً بمدى قدرتها على تجاوز منطق التوسع العددي نحو تحسين جودة التكوين، وضمان الاستمرارية في الدراسة، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
فإحداث جامعة في كل جهة قد يمثل خطوة مهمة نحو تقريب التعليم العالي من الطلبة، لكنه لا يكفي وحده لضمان إصلاح متكامل، ما لم يترافق مع توفير الموارد البشرية والتجهيزات، وتحسين ظروف الدراسة، ودعم البحث والابتكار، ومعالجة الأسباب التي تدفع آلاف الطلبة إلى مغادرة الجامعة قبل استكمال مسارهم الدراسي.





