يشكل رجوع محمد نبيل بنعبد الله إلى الحكومة محطة جديدة في مساره السياسي، بعدما قاد حزب التقدم والاشتراكية لسنوات من موقع المعارضة، منتقداً عدداً من الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، ومدافعاً عن قضايا العدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية والحريات.
واليوم، يعود الأمين العام لحزب «الكتاب» إلى التدبير الحكومي، بعد تعيينه وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، في خطوة تعيد الحزب إلى دائرة المشاركة في الأغلبية الحكومية، وتضع زعيمه أمام مسؤوليات جديدة في أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بمستقبل المغاربة.
ولا تقتصر أهمية هذه العودة على استئناف تجربة حكومية سابقة، بل تتجاوز ذلك إلى اختبار قدرة بنعبد الله على الانتقال من انتقاد السياسات العمومية إلى المساهمة المباشرة في صياغتها وتنفيذها، في ظل انتظارات اجتماعية متزايدة وتحديات اقتصادية تتطلب حلولاً عملية.
وخلال سنوات المعارضة، حافظ حزب التقدم والاشتراكية على حضوره في النقاش السياسي، مركزاً في مواقفه على قضايا القدرة الشرائية والتشغيل والحماية الاجتماعية، إلى جانب الدعوة إلى تحسين الخدمات العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية. كما شكلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة محطة حاسمة في تحديد موقف الحزب من المشاركة في الأغلبية.
وبعد نقاشات داخلية، قرر الحزب الانخراط في الأغلبية الحكومية، فاتحاً بذلك صفحة جديدة في علاقته بالتدبير التنفيذي. ويعكس هذا الاختيار تحولاً سياسياً يضع الحزب أمام مسؤولية ترجمة مواقفه وبرنامجه إلى إجراءات ملموسة، بعيداً عن الاكتفاء بتشخيص الاختلالات وانتقاد القرارات الحكومية.
غير أن التحدي الأكبر الذي ينتظر بنعبد الله يرتبط بالقطاع الذي أُسندت إليه مسؤوليته، بالنظر إلى حجم الانتظارات المرتبطة بإصلاح منظومة التربية والتكوين. فالمدرسة العمومية ما تزال في صلب النقاش المجتمعي، وسط مطالب بتحسين جودة التعلمات، والحد من الفوارق بين المؤسسات التعليمية، وتعزيز تكافؤ الفرص بين التلاميذ.
كما يفرض تطوير التعليم الأولي والتكوين المهني تحديات إضافية، تتعلق بتوسيع الاستفادة من هذه المسارات، وتحسين جودة التكوين، وربط التخصصات المعتمدة بحاجيات سوق الشغل، بما يساهم في تسهيل إدماج الشباب في الحياة المهنية.
وتتطلب هذه الأوراش رؤية واضحة وتنسيقاً فعالاً بين مختلف المتدخلين، فضلاً عن القدرة على اتخاذ قرارات عملية ومواكبة تنفيذها وتقييم نتائجها. فإصلاح التعليم لا يتحقق بمجرد الإعلان عن البرامج، بل يحتاج إلى إجراءات ملموسة تنعكس على مستوى التعلمات وظروف التمدرس وآفاق التكوين والتشغيل.
وبين تجربة حكومية سابقة وسنوات من المعارضة، يجد نبيل بنعبد الله نفسه أمام فرصة جديدة لإثبات قدرته على تحويل الرصيد السياسي الذي راكمه إلى نتائج قابلة للقياس. كما سيكون مطالباً بإظهار أن المشاركة في الحكومة يمكن أن تشكل وسيلة لتنفيذ الالتزامات الاجتماعية التي دافع عنها حزبه خلال السنوات الماضية.
وفي نهاية المطاف، لن تُقاس أهمية عودة بنعبد الله إلى الحكومة بمجرد تقلده منصباً وزارياً، بل بمدى قدرته على الإسهام في إصلاح المدرسة العمومية وتحسين جودة التعليم والتكوين، والاستجابة لانتظارات الأسر المغربية.




