
ماذا يحدث داخل الأحزاب؟ صراع من أجل الوطن أم صراع من أجل الكراسي؟
ماذا يحدث داخل الأحزاب؟ صراع من أجل الوطن أم صراع من أجل الكراسي؟
بقلم غزلان بلحرشي..
أصبح المشهد الحزبي في السنوات الأخيرة يثير الكثير من علامات الاستفهام أكثر مما يقدم من الأجوبة. فكلما تابع المواطن الأخبار أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وجد نفسه أمام موجة جديدة من الخلافات والاتهامات المتبادلة والاستقالات والتحالفات المتغيرة، حتى أصبح من الصعب عليه أن يفهم حقيقة ما يجري أو أن يحدد الاتجاه الذي تسير نحوه الحياة السياسية.
فماذا يحصل داخل الأحزاب؟ وهل ما نراه اليوم مجرد اختلافات طبيعية تعكس حيوية العمل السياسي والديمقراطي؟ أم أننا أمام صراعات أعمق تتعلق بالمصالح والمواقع والنفوذ؟ ومن المستفيد من كل هذه الضوضاء السياسية التي أصبحت تتكرر بشكل لافت؟
من الطبيعي أن تعرف الأحزاب نقاشات داخلية واختلافات في وجهات النظر، لأن السياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الآراء والتصورات. لكن حين تتحول هذه الاختلافات إلى صراعات علنية، وتصبح البيانات والردود والتصريحات المتبادلة أهم من النقاش حول قضايا المواطنين، فإن الأمر يدفع إلى التساؤل حول الأولويات الحقيقية لبعض الفاعلين السياسيين.
المواطن اليوم يتابع هذا المشهد وهو يشعر بالحيرة. فهو يسمع عن صراعات داخلية، وخلافات بين قيادات، وتبادل للانتقادات، لكنه لا يجد في المقابل نقاشاً بالقدر نفسه حول البطالة أو التعليم أو الصحة أو القدرة الشرائية أو التنمية المحلية. لذلك يطرح سؤالاً مشروعاً هل أصبحت بعض الأحزاب منشغلة بنفسها أكثر من انشغالها بقضايا المجتمع؟
الأكثر من ذلك، أن سرعة انتشار الأخبار والصراعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي جعلت من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع ،فهناك من يرى أن بعض الخلافات طبيعية وتعكس وجود تنافس سياسي داخلي، بينما يعتقد آخرون أن بعض المشاهد يتم تضخيمها أو توظيفها لأهداف معينة، سواء لكسب التعاطف أو للفت الانتباه أو لإعادة ترتيب موازين القوى داخل التنظيمات السياسية.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى المواطن الحلقة الأضعف،فهو لا يملك كل المعطيات لفهم ما يجري خلف الكواليس، ولا تصله في كثير من الأحيان التفسيرات الكافية التي تساعده على تكوين صورة واضحة،لذلك يجد نفسه مجرد متفرج يتابع الأحداث دون أن يعرف أين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي الحسابات السياسية.
إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود الخلافات، فكل المؤسسات تعرف اختلافات ونقاشات. الأزمة تكمن في غياب الوضوح، وفي تحول بعض الصراعات إلى مشاهد مستمرة تستنزف النقاش العمومي وتبعد الاهتمام عن القضايا الأساسية التي تهم المواطنين،فالسياسة وجدت لخدمة المجتمع وتقديم الحلول، لا لتحويل المواطنين إلى جمهور يتابع فصول نزاعات لا يعرف أسبابها ولا نتائجها.
واليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المواطن إلى خطاب سياسي صريح وواضح، وإلى أحزاب تشرح مواقفها وتقدم برامجها وتنافس من أجل خدمة الصالح العام. لأن الثقة لا تبنى بالشعارات ولا بالصراعات، بل تبنى بالعمل والإنجاز والقدرة على الاستجابة لتطلعات الناس.
وفي النهاية تبقى الأسئلة مفتوحة ،هل ما نراه اليوم مجرد مرحلة عابرة ستنتهي بعودة الأحزاب إلى أدوارها الطبيعية؟ أم أننا أمام أزمة أعمق تعكس تحولات داخل المشهد السياسي؟
وهل سيبقى المواطن متفرجاً على ما يجري، أم سيأتي يوم يصبح فيه محور الاهتمام الحقيقي لكل الفاعلين السياسيين؟
أسئلة مشروعة تنتظر أجوبة، لأن مستقبل العمل السياسي لا يهم الأحزاب وحدها، بل يهم المجتمع بأكمله.







