
ولاد الشعب ما عندهمش فلوس لكندا”.. جملة أوجعت حكومة الوعود
ولاد الشعب ما عندهمش فلوس لكندا”.. جملة أوجعت حكومة الوعود
في مساءٍ مغربيّ هادئ، وبين أضواء الاستوديو وبرودة النقاش التلفزيوني، دوّى صوت طالبة جامعية ليكسر جدار المجاملة السياسي. لم يكن سؤالًا، بل صفعة من جيلٍ سئم الوعود الطويلة والنبرات الباردة. قالتها بوضوحٍ مُفجع:
“هذه الحكومة التي تسمي نفسها حكومة كفاءات، هي في الواقع حكومة إضرابات.”
الجملة التي خرجت من قلب الجامعة، لا من دهاليز السياسة، كانت كافية لتضع الوزير نزار بركة في وضعٍ لا يُحسد عليه. الرجل، الأمين العام لحزبٍ عريق ووزير التجهيز والماء، حاول أن يُبقي ابتسامته ثابتة، لكن خلفها بدا شيء من الارتباك، كأنّ الطالبة لامسته في نقطة الوجع التي لم يعد السياسيون يجيدون إخفاءها.
من التعليم إلى الصحة… سلسلة إضراباتٍ لا تنتهي.
فالطالبة لم تتحدث من فراغ. فمنذ مجيء حكومة عزيز أخنوش، والمغرب يعيش على وقع احتجاجات متكررة: أساتذة متعاقدون في الشوارع، ممرضون يرفعون الشعارات، طلبة طب يلوّحون بمستقبلٍ ضائع، وأساتذة جامعيون يصرخون في وجه صمتٍ حكومي مطبق. مشهدٌ متكرر جعل الناس يتساءلون: أين هي الكفاءات؟
لكن الطالبة ذهبت أبعد من مجرد تشخيص الأزمة. استحضرت تصريح وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، حين قال إن ابنه يدرس في كندا، لتردّ عليه بعبارةٍ صادقةٍ كالسهم:
“ولاد الشعب ما عندهمش فلوس باش يخلصوا إجازتين في كندا.”
عبارة قصيرة، لكنها لخصت شعور جيلٍ بأكمله يرى العدالة الاجتماعية تتحول إلى نكتةٍ موسمية على لسان المسؤولين.
ولأن الكلام الصادق يوجع أكثر من النقد الأكاديمي، تحولت كلماتها إلى مرآةٍ عكست غضب الشارع. إذ أكدت أن احتجاجات الشباب ليست نزوةً عابرة، بل غضبٌ جماعيّ مكتوم خرج إلى السطح بعد طول انتظار. واستشهدت بمسيرة “آيت بوكماز”، التي جمعت شيوخًا وأطفالًا وشبابًا من أجل مطلبٍ بسيط: العيش الكريم.
في المقابل، حاول نزار بركة تبرير الموقف، ككل مسؤول يواجه العاصفة بالهدوء، فقال إن الحكومة لم تستطع تنفيذ جميع وعودها بسبب الجفاف، والحرب الأوكرانية، وضعف القطاع الخاص. وهي نفس الأسباب التي بات المواطن يسمعها كما يسمع نشرة الطقس، دون أن تغيّر شيئًا من حرارة الأسعار ولا من عطالة الشباب.
الجيل الجديد، جيل “Z”، لم يعد يبتلع الخطاب الخشبي. إنه يردّ بالسخرية، بالأسئلة المحرجة، وبحسٍّ سياسي فطري لا يحتاج إلى وساطة الأحزاب. حين يقول أحدهم إن الحكومة حققت إنجازات، يرد الشارع بسؤالٍ بسيط: “فين كاين هاد الإنجاز؟ واش فالسوق ولا فالتلفزة؟”
لقد باتت البرامج الحوارية مرآةً جديدة للمجتمع، حيث يعلو صوت الطالب والطالبة على صوت السياسي الذي فقد حسّ الإصغاء. وبين كل كلمةٍ وأخرى، بدا واضحًا أن الهوة بين الحكومة والمواطنين لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت نفسية أيضًا.
إن ما قالته الطالبة ليس مجرد نقدٍ عابر، بل إعلان رسميّ عن تبدّل قواعد اللعبة. فالشباب اليوم لا ينتظر بيانات حزبية ولا خطبًا رسمية، بل يقولها مباشرة: كفى.






