...

بركة بين الحكومة والنقابة… توازن مفقود واحتجاجات تتصاعد

بركة بين الحكومة والنقابة… توازن مفقود واحتجاجات تتصاعد

في وزارة يفترض أنها تُدبّر التوازنات، يبدو أن نزار بركة اختار لعبة أكثر تعقيدًا: إرضاء الجميع… دون إقناع أحد. النتيجة جاءت بسرعة: قطاع التجهيز والماء يغلي، والنقابات تخرج إلى الشارع ببرنامج نضالي تصعيدي، لا يترك مجالًا للغموض.

الإضرابات تتوالى، الوقفات تُبرمج، والخطاب النقابي يزداد حدّة. التنسيقية النقابية الثلاثية لم تكتفِ بالتحذير، بل انتقلت إلى الفعل، بعدما اعتبرت أن الحوار الاجتماعي لم يُنتج سوى “حصيلة محدودة”… أو لنقل بصراحة: كلام كثير، نتائج قليلة.

المطالب ليست جديدة: نظام أساسي عادل، تحسين التعويضات، وتسوية وضعية الأعوان. لكن الجديد هو الإحساس المتزايد داخل القطاع بأن هناك تمييزًا صامتًا في التعامل مع الملفات. قطاعات تحظى بزيادات وتحسينات، وأخرى تُترك في منطقة الانتظار… وكأنها خارج جدول الأولويات.

السخرية أن بركة، بصفته وزيرًا ومسؤولًا حزبيًا في نفس الوقت، يجد نفسه في موقع من يُفترض أن يكون حكمًا… لكنه يُتهم باللعب في نفس الفريق. تداخل الأدوار هنا لا يخلق توازنًا، بل يخلق ارتباكًا. لأن النقابة، التي يجب أن تفاوض الحكومة، تجد نفسها في مواجهة حزب… يقود الحكومة.

في الخلفية، تتصاعد الانقسامات داخل البيت النقابي المرتبط بحزب الاستقلال. أصوات ترتفع، اتهامات تتبادل، وثقة تتآكل ببطء. المشهد لا يتعلق فقط بمطالب مهنية، بل بأزمة أعمق: من يتحكم في القرار النقابي؟ ومن يحدد سقف التفاوض؟

الاحتجاجات لم تعد مجرد ضغط ظرفي، بل تعبير عن فقدان الثقة في طريقة تدبير الملفات الاجتماعية. لأن الموظف، حين يرى التفاوت بين القطاعات، لا يقرأه كاختلاف في الأولويات… بل كاختلال في الإنصاف.

بركة، في هذا السياق، يبدو كمن يحاول إدارة أزمة متعددة الوجوه بنفس الأدوات القديمة: تأجيل، تبرير، وربما انتظار أن تهدأ الأمور. لكن الإضرابات لا تهدأ، والاحتقان لا يختفي… بل يتراكم.

المفارقة القاسية أن الوزارة تتحدث عن الحوار الاجتماعي، بينما الشارع النقابي يتحدث بلغة أخرى: الإضراب. وكأن الطرفين يشتغلان في زمنين مختلفين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى