الترحال السياسي… سياحة انتخابية تُفرغ الأحزاب من معناها

الترحال السياسي… سياحة انتخابية تُفرغ الأحزاب من معناها

مع كل اقتراب انتخابي، لا ترتفع فقط حرارة الخطاب السياسي، بل تنطلق أيضًا موجة مألوفة: انتقالات جماعية لمنتخبين من حزب إلى آخر، وكأن السياسة تحولت إلى محطة عبور موسمية أكثر منها التزامًا طويل الأمد.

الترحال السياسي لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة شبه مستقرة في المشهد الحزبي المغربي، حيث يتحرك بعض الفاعلين وفق منطق “أين توجد التزكية، توجد القناعة”، في اختزال واضح للسياسة إلى مجرد وسيلة للبقاء داخل دائرة النفوذ.

هذا السلوك يكشف خللًا أعمق من مجرد تغيير الانتماء، إذ يعكس أزمة بنيوية داخل الأحزاب نفسها، التي فشلت في ترسيخ ثقافة الالتزام والانضباط، وسمحت بتحول الانتماء الحزبي إلى واجهة ظرفية قابلة للتبديل.

الأرقام تعزز هذا الانطباع، حيث تشير المعطيات إلى أن نسبة مهمة من البرلمانيين غيرت انتماءها بين انتخابات وأخرى، وهو ما يضعف مصداقية المؤسسات التمثيلية، ويُحوّل العملية الانتخابية إلى إعادة توزيع للأسماء بدل إعادة بناء للبرامج.

في هذا السياق، لم يعد المواطن يميز بين الأحزاب بقدر ما يرى تشابهًا في السلوك، مما يكرس فكرة أن السياسة مجال نفعي، وأن الخطاب الإيديولوجي مجرد غطاء مؤقت يُرفع عند أول اختبار حقيقي.

النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي تآكل الثقة، خاصة لدى الشباب، الذين ينظرون إلى هذه التحركات كدليل إضافي على أن السياسة لا تعكس طموحاتهم، بل تخدم حسابات ضيقة، وهو ما يفسر جزئيًا تنامي العزوف الانتخابي.

التقرير الصادر عن مراكز بحثية يعزز هذا التشخيص، حيث يربط بين الترحال السياسي وضعف الولاء الحزبي، مؤكدًا أن الظاهرة ليست مجرد سلوك فردي، بل نتيجة لفراغ تنظيمي داخل الأحزاب، يتجلى في غياب التداول الديمقراطي وهيمنة القيادات التقليدية.

في المقابل، تجد الأحزاب نفسها أمام مفترق طرق حقيقي، بين خيار الإصلاح الجذري الذي يعيد الاعتبار للانتماء السياسي كقناعة، وخيار الاستمرار في نفس المنطق، بما يحمله من مخاطر على المدى المتوسط، خاصة في ظل تحولات اجتماعية متسارعة.

الأحزاب التاريخية، التي كان يُفترض أن تقود هذا التحول، تبدو متأخرة في مراجعة تجاربها، بينما الأحزاب الجديدة لم تنجح بعد في تقديم بديل مقنع، مما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية خلال الاستحقاقات المقبلة.

الانتخابات القادمة لن تكون مجرد تنافس تقليدي، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين، عبر تقديم مرشحين يعبّرون عن مشاريع واضحة، لا عن حسابات ظرفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى