...

بنعليلو… حين يتحول الفساد إلى “استراتيجية” على الورق فقط

بنعليلو… حين يتحول الفساد إلى “استراتيجية” على الورق فقط

في كل مرة يطلّ فيها محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، نشعر وكأننا أمام رجل اكتشف للتوّ أن الفساد موجود.

هالة من الكلمات الثقيلة، وجرعات عالية من “التحول العميق” و“المقاربة الشمولية”، وكمٌّ غير محدود من المصطلحات التي تذكّرنا بدروس الفلسفة أكثر مما تُذكّرنا بمؤسسات يفترض أنها تُكافح الفساد… لا تُدرّس ماهيته.

بنعليلو يخبرنا بثقة أن المغرب بحاجة إلى انتقال من رد الفعل إلى الوقاية. فكرة ممتازة… لولا أنها قيلت منذ عشرين سنة، ونسمعها كل ثلاث سنوات بوجه جديد، وفوق منبر جديد، وبطعم جديد من الطموح الذي يذوب حالما تخرج الكاميرات من القاعة.

ثم يضيف سيادته أننا بحاجة إلى مقاربة شمولية تشمل القطاعين العام والخاص. جميل. فقط نحتاج أن نخبره بأن الفساد لم يعد ينتظر الاستراتيجيات، بل صار يجري بسرعة 4G بينما المقاربات الشمولية لازالت تبحث عن “الراوتر”.

وعندما يحدثنا عن إطار دستوري وصلاحيات موسعة وربط المسؤولية بالمحاسبة… نشعر للحظة أننا نعيش في بلد يتحرك فيه القضاء بسرعة الضوء. لكن يكفي أن نخرج من القاعة لنتذكر أن المسؤولية تُربط أحيانًا بالمنصب، لا بالمحاسبة.

CNSS ramadan2026 728x90 2

ولكي لا يقال إن الهيئة بلا برنامج، فقد قدم لنا الرجل 99 محورًا و24 هدفًا وستة محاور. باختصار: ورشة ضخمة من “الهندسة اللغوية” تتفوق في الطول والوزن وعدد الصفحات… لكنها لا تُقنع حتى صاحبها بأنها قادرة على تحريك حجر واحد من جبال الفساد.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

أما الفساد نفسه؟ فقد “تطور وأصبح معقدًا ومنظمًا”. وكأننا كنا نتعامل مع فاسدين هواة قبل اليوم. المواطن يعرف جيدًا أن الفساد عندنا ليس مجرد حالة… بل قطاع اقتصادي له شبكات وامتدادات، بينما الهيئة ما تزال في مرحلة البحث الميداني.

وحين يتحدث بنعليلو عن ثقافة النزاهة، لا بد أن نبتسم. لأنه لا توجد أمة في العالم استطاعت أن تزرع النزاهة بالتربية والإعلام وحدهما بينما الإدارات لا تزال تنضح بروائح الرشوة من الطابق الأرضي حتى الطابق الأخير.

ولإضفاء بعض البريق الدولي، يخبرنا عن الشراكات الدولية والانفتاح المتعدد الأطراف… وهي الكلمات السحرية التي نرددها كلما أردنا أن نخفي حقيقة أن الفساد عندنا يتكاثر بسرعة لا تحتاج إلى تدخل خارجي.

التحول الرقمي أيضًا حاضر، والذكاء المؤسسي كذلك. لكن الذكاء الذي نحتاجه فعلاً هو أن نرى أول مسؤول كبير يرحل عن منصبه بسبب الفساد. أما الذكاء الاصطناعي فقد يرفض تسجيل الدخول لو رأى الواقع.

وفي الختام، يؤكد لنا بنعليلو أن الاستراتيجية تهدف إلى بناء الثقة. نعم… الثقة التي تتبخر كلما سمع المواطن عن “خطة جديدة” دون أن يرى أثرًا واحدًا خارج البلاغات الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى