الإعلام العمومي بين تأخر المحاسبة وشبهات تدبير المال العام.. من يراقب شبكة الإنتاج التلفزيوني؟
بعد مرور نحو عام على صدور أمر بإغلاق الحدود في وجه مدير سابق للقناة الأمازيغية، وفق المعطيات المتداولة بشأن الملف، لا يزال مصير القضية يطرح أسئلة حول مسار التحقيق ومآلات الاتهامات المرتبطة بشبهات اختلاس وتبديد أموال عمومية وتلقي عمولات.
وبين ما يُتداول عن الملف وما ينبغي أن تثبته الجهات القضائية، يبرز مطلب واضح: توضيح مآل القضية وضمان أن تخضع الادعاءات الجدية للتحقيق والمساءلة، بعيداً عن الانتقائية أو الأحكام المسبقة.
وتكمن خطورة هذه الملفات في أنها لا تمس شخصاً بعينه فحسب، بل تضع تدبير الإعلام العمومي أمام اختبار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين تتعلق الشبهات بالمال العام وبعقود الإنتاج التلفزيوني، لا يكفي أن تبقى القضية حبيسة التسريبات أو النقاشات المتفرقة، بل يصبح من الضروري أن تتضح الوقائع عبر المساطر القانونية، وأن يعرف الرأي العام ما إذا كانت التحقيقات مستمرة، وما الذي ثبت فعلاً، وما الذي لا يزال مجرد ادعاءات.
أما وصف المتهم بـ«الوحش المفترس»، أو الحديث عن شبكة تتحكم في القطاع وتستغل الإعلام لتحقيق الثراء، فلا يمكن اعتمادهما كحقيقتين ثابتتين من دون أدلة وأحكام قضائية. لكن ذلك لا يمنع من مساءلة المنظومة التي تسمح، إن ثبت وجود اختلالات فيها، باستمرار الشبهات حول تدبير الإنتاج التلفزيوني وتوزيع الصفقات، خصوصاً عندما تتكرر أسماء شركات بعينها في هذا المجال.
وفي قلب النقاش يبرز سؤال أوسع يتعلق باستمرار فيصل العرايشي على رأس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لأكثر من ربع قرن. فطول مدة المسؤولية يجعل تقييم الحصيلة أمراً مشروعاً، خصوصاً في ما يتعلق بجودة البرامج، وتنوع الإنتاج، وشفافية طلبات العروض، وقدرة التلفزيون العمومي على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والإعلام.
ولا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على شخص، بل بضرورة إخضاع المؤسسات العمومية لمعايير واضحة في تقييم الأداء والنتائج.
فالإعلام العمومي ليس ملكاً لأسماء أو شبكات مصالح، بل مؤسسة ممولة من المال العام، يفترض أن تعكس قضايا المجتمع وتخدم المصلحة الوطنية. وحين يتحول النقاش حوله إلى أسماء مسؤولين ومنتجين وشركات تتكرر في طلبات العروض، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات، بل نشر معطيات واضحة عن معايير إسناد الصفقات، وحجم العقود، وطرق مراقبة التنفيذ، ومدى احترام قواعد المنافسة.
وتزداد الحاجة إلى هذه الشفافية مع المعطيات التي تتحدث عن هيمنة عدد محدود من الشركات على إنتاج البرامج التلفزيونية. فإذا ثبت أن سبع شركات تستحوذ على حصة واسعة من الإنتاج، فإن ذلك يستدعي نشر الأرقام الرسمية وتوضيح أسباب تركز العقود، ومدى تكافؤ الفرص أمام باقي الفاعلين، وما إذا كانت لجان التقييم وآليات المراقبة تضمن المنافسة الفعلية. أما الاكتفاء بترديد الأرقام من دون وثائق، فلن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الشك من دون حسم الوقائع.
وتبقى المفارقة أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بمراقبة الشأن العام وكشف الاختلالات، لكنها مطالبة بالقدر نفسه بتطبيق المعايير ذاتها على نفسها. فلا يمكن للإعلام العمومي أن يدافع عن الحكامة في المؤسسات الأخرى بينما يظل تدبير صفقاته وعقوده موضوع أسئلة لا تجد أجوبة واضحة.
كما لا يجوز أن تتحول منشورات أو سجالات عابرة إلى بديل عن التحقيق الجدي في شبهات تتعلق بالمال العام، متى توفرت عناصر تستوجب البحث.
إن المطلوب اليوم ليس التشهير بالأشخاص أو إصدار أحكام خارج المحاكم، بل توضيح مآل الملفات المفتوحة، والتحقق من الادعاءات المتداولة، ونشر المعطيات المتعلقة بصفقات الإنتاج، وضمان المساواة بين الشركات المتنافسة. فالمحاسبة لا تتحقق بتصفية الحسابات، كما أن حماية سمعة المؤسسات لا تكون بالتعتيم، وإنما بالشفافية والاحتكام إلى القانون.
وفي النهاية، فإن أزمة الثقة في الإعلام العمومي، إن وجدت، لا تُعالج بتغيير الوجوه وحده، بل بمراجعة أساليب التدبير، وربط المسؤولية بالنتائج، ووضع حد لأي تضارب محتمل للمصالح.
فالمؤسسات أكبر من مسؤوليها، والمال العام أكبر من أن يبقى موضوع اتهامات متبادلة، والرأي العام من حقه أن يعرف ما تثبته التحقيقات، لا أن يظل رهين التسريبات والتأويلات.




