يجد محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، نفسه أمام امتحان سياسي مختلف بعد انتقال الحزب إلى المعارضة، عقب خروجه من الأغلبية الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، وذلك بعد خمس سنوات قضاها في موقع التدبير الحكومي. وهي نقلة لا تتعلق بتغيير المقاعد داخل البرلمان فقط، بل تفرض على الحزب إعادة ترتيب خطابه وتحديد علاقته بحصيلة حكومة كان جزءاً أساسياً منها.
شوكي أعلن أن حزبه سيمارس معارضة «قوية ومسؤولة وبناءة»، قائمة على المعطيات والحجج، مع مراقبة السياسات العمومية واقتراح البدائل. خطاب يبدو منسجماً مع القواعد الديمقراطية، لكنه يضع الحزب أمام مفارقة واضحة: كيف يمكن لمن كان يدافع عن اختيارات الحكومة بالأمس أن يتحول اليوم إلى ناقد لها، من دون أن يتحول النقد إلى مراجعة انتقائية تمحو ما لا يناسب المرحلة الجديدة؟
فالمعارضة ليست مجرد تغيير في موقع الجلوس، ولا يكفي رفع شعار «القوة والمسؤولية» حتى تصبح الممارسة مختلفة. الاختبار الحقيقي يبدأ من الملفات التي دافع عنها الأحرار خلال مشاركتهم الحكومية، ومن القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي تحمل الحزب مسؤولية سياسية عنها. أما التعامل مع الحصيلة السابقة باعتبارها صفحة طُويت بمجرد مغادرة الأغلبية، فسيجعل خطاب المعارضة أقرب إلى تبديل الواجهة منه إلى مراجعة سياسية جدية.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين يُستحضر تمسك الحزب بالمشاركة الحكومية إلى غاية المراحل الأخيرة من مشاورات تشكيل الأغلبية. فالحزب الذي ظل حاضراً في حسابات التدبير، يجد نفسه اليوم مطالباً بإقناع الرأي العام بأنه قادر على ممارسة الرقابة من خارج الحكومة، وكأن الانتقال إلى المعارضة كان برنامجاً سياسياً جاهزاً، لا نتيجة لترتيبات التحالفات الجديدة.
ولم تمر إشارات التردد داخل الحزب بشأن الموقع الجديد من دون أن تلفت الانتباه، خصوصاً مع الموقف المنسوب إلى البرلمانية زينة إدحلي، التي عبّرت عن عدم رؤيتها لنفسها في المعارضة. ومهما كانت خلفيات هذه المواقف، فإنها تكشف أن الانتقال لا يتعلق فقط بقرار تنظيمي، بل يحتاج أيضاً إلى إقناع أعضاء الحزب ومنتخبيه بأن المعارضة ليست عقوبة سياسية ولا مرحلة انتظار إلى حين استعادة مقاعد الحكومة.
أما حديث شوكي عن جعل المصلحة العليا للوطن بوصلة للمواقف، فهو مبدأ لا خلاف حوله، لكنه لا يعفي الحزب من تقديم أجوبة واضحة بشأن حصيلته السابقة. فالمصلحة الوطنية لا تتحقق بالشعارات وحدها، كما أن خدمة الأوراش الكبرى لا تعني تعليق النقد أو تأجيل المحاسبة. بل إن المعارضة المسؤولة هي التي تميز بين المشاريع الاستراتيجية التي ينبغي استمرارها، والاختيارات التي تستحق المراجعة، والوعود التي لم تتحول إلى نتائج ملموسة.
وسيكون على قيادة الأحرار أن تثبت أن المعارضة التي تتحدث عنها ليست مجرد صيغة جديدة لتدبير المرحلة خارج الحكومة. فالمطلوب مواقف واضحة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ومقترحات قابلة للتنفيذ، ورقابة برلمانية تستند إلى الأرقام والوثائق، لا إلى انتقاد كل ما يصدر عن الأغلبية الجديدة لمجرد أنها أصبحت في الجهة المقابلة.
لقد اعتاد الحزب خلال السنوات الماضية مخاطبة المغاربة من موقع المسؤولية الحكومية، أما اليوم فقد أصبح مطالباً بمخاطبتهم من موقع المساءلة. وبين الموقعين مسافة لا يختصرها تغيير المقاعد أو تجديد العبارات. فالمعارضة القوية لا تُقاس بحدة التصريحات، بل بقدرتها على تقديم بدائل، وبمدى انسجام مواقفها الحالية مع القرارات التي دافعت عنها بالأمس.
وبالنسبة إلى محمد شوكي، فإن التحدي لا يكمن في إعلان انتقال الأحرار إلى المعارضة، بل في إقناع المغاربة بأن الحزب قادر على ممارسة دور رقابي جاد، من دون التنصل من مسؤوليته عن الحصيلة السابقة. فالمقاعد تتغير، والتحالفات تتبدل، أما الذاكرة السياسية فلا تنتقل مع كل أغلبية جديدة إلى الأرشيف.






