...

سلامة الطرق… حين يقودها الذكاء الاصطناعي بلا عقل تنظيمي

سلامة الطرق… حين يقودها الذكاء الاصطناعي بلا عقل تنظيمي

مرة أخرى، تخرج الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بحل “ذكي” لمشكل مزمن: الكاميرات، الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي. كل شيء حاضر… إلا شيء واحد بسيط ومزعج: الحكامة.

الوكالة قررت أن تُدخل التكنولوجيا إلى امتحانات رخص السياقة، وكأن المشكل كان دائمًا في غياب الكاميرات، لا في غياب العدل. فجأة، صار الذكاء الاصطناعي هو المنقذ، القادر على ما عجزت عنه سنوات من التدبير، والتأجيل، والوعود.

السخرية أن الوكالة تتحدث عن “تكافؤ الفرص”، بينما الواقع يقول إن المشكل لم يكن يومًا في رؤية المترشح، بل في طريقة تقييمه. لأن الكاميرا قد تُسجل كل شيء… لكنها لا تُصلح نية من يُقيّم.

المشهد يبدو كعرض تقني: شاشات، تحليلات، وربما رسوم بيانية تُبهر الزائر. لكن خلف هذا البريق، تبقى نفس الأعطاب: تفاوت بين المراكز، تأويل للقوانين حسب المزاج، ومنظومة تُجيد التبرير أكثر مما تُجيد الإصلاح.

الأطرف أن الذكاء الاصطناعي سيُحلل سلوك السائق. جميل. لكن هل سيحلل أيضًا سلوك الإدارة؟ هل سيُصدر تقريرًا عن “القرارات المترددة” و”الإصلاحات المؤجلة”؟ أم أن الخوارزمية مبرمجة فقط لمراقبة الضعيف… لا لمساءلة المسؤول؟

في العمق، يبدو أن الوكالة اختارت الطريق السهل: إضافة طبقة رقمية فوق واقع قديم. لأن الإصلاح الحقيقي مكلف سياسيًا، بينما الكاميرا لا تحتج، ولا تطالب بالمحاسبة، فقط تشتغل… أو هكذا يُقال.

ثم هناك سؤال لا يُطرح كثيرًا:
هل نحن أمام مشروع إصلاحي… أم مشروع صفقات؟
لأن كل نظام تقني جديد يحمل معه تكلفة، وعقودًا، وشركات… بينما النتيجة تبقى معلقة على شرط بسيط: هل تغيرت طريقة التدبير أم لا؟

الوكالة، بهذا الاختيار، تبدو وكأنها تقول للمواطن:
“لن نُصلح الطريق… لكن سنراقبك وأنت تسير فيها.”

في النهاية، لا أحد يعارض الذكاء الاصطناعي، لكن المشكلة حين يُستعمل كـ”قناع ذكي” لإخفاء خلل بسيط: غياب الجرأة على الإصلاح الحقيقي.

ويبقى السؤال الذي يختصر كل هذا العرض:
هل تحتاج سلامة الطرق إلى ذكاء اصطناعي… أم إلى عقل إداري؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى