
وهبي.. وزير العدل الذي يوزّع الإهانات بدل القوانين
وهبي.. وزير العدل الذي يوزّع الإهانات بدل القوانين
تحوّلت جلسة مناقشة تعديلات قانون مهنة العدول بمجلس النواب إلى فرصة جديدة لعبد اللطيف وهبي كي يؤكّد، وبكفاءة مثيرة للقلق، أنّه وزير للعدل في النص القانوني فقط، أما في الممارسة والخطاب، فهو أقرب إلى “معلّق سياسي غاضب” يعتلي منبراً تلفزيونياً لا منصة برلمانية.
فبدل أن يقدّم توضيحات دقيقة حول ملف حساس يهم شريحة واسعة من المهنيين والمتقاضين، اختار وهبي أن يفتتح مداخلته بجملة تُختصر في معنى واحد: “لست متأكداً إن كان يلزمني أن أجيب الآن”. وزير للعدل متردّد في ممارسة أبسط واجباته: الإجابة على سؤال برلماني في جلسة عمومية. ما الذي يمكن أن ننتظره منه عندما يتعلق الأمر بقرارات أكثر تعقيداً من مجرّد جواب شفوي؟
ثم جاءت “تحفته السياسية”:
«لا يعقل أن تقرئي علينا بيان مجلس قيادة الثورة قبل قراءة القانون».
هكذا قرّر وزير العدل أن يردّ على نائبة برلمانية، ليس بالتفنيد ولا بالتوضيح ولا حتى بالتحليل، بل بالسخرية من أسلوبها، وباستحضار قاموس “مجالس قيادة الثورة”، وكأننا في استوديو برنامج تهكّمي لا في مؤسسة تشريعية يُفترض أنها أعلى فضاء للنقاش العمومي في البلاد.
وهبي، الذي يُفترض أن يكون حارساً للّغة القانونية الهادئة، تحوّل في ثوانٍ إلى مُنتِج لعبارات مستفِزّة، يوزّع “الكلمات الجارحة” كما لو كان في سباق لاقتناص أضواء الإعلام لا في جلسة لمناقشة قانون مهني دقيق.
وعندما طالب نواب العدالة والتنمية بسحب عبارته المسيئة من المحضر، لم يجد الوزير في نفسه خطأً يستحق التصحيح، بل أصرّ على أن الرد يجب أن يكون “في مستوى” التعقيب السياسي. وكأن مهمته ليست حماية هيبة القانون، بل حماية غروره الشخصي.
وزير العدل الذي يفترض أن يُجسّد احترام مؤسسات الدولة بدا وكأنه في خصومة شخصية مع جزء من المؤسسة التشريعية. منطق “المنصب” حلّ محله منطق “المبارزة”: أنتقدك سياسياً فتسخر مني، أعلّق على سياستك فتتهمني بقراءة بيان ثوري. كل شيء مباح ما دام الوزير مقتنعاً بأن “السياسة فن الرد بالمثل”، حتى وإن كان الثمن هو تدنّي مستوى الخطاب إلى ما دون الحد الأدنى من اللياقة.
السخرية الأبرز أن وزيراً للعدل، المكلّف دستورياً بحماية الحقوق وضمان احترام الضوابط، كان في تلك اللحظة أحد أكبر مصادر الفوضى داخل القاعة. مداخلته لم تُهدّئ التوتر، بل غذّته. لغته لم تضبط النقاش، بل حرّرته من كل قواعد اللياقة. وإذا كان الوزير نفسه يقدّم نموذجاً في الاستفزاز اللفظي، فبأي سلطة أخلاقية أو سياسية سيطالب النواب بضبط عباراتهم؟
جلوس وزير الداخلية في دور “مسكّن الأعصاب” السياسية، ومرافقته وهبي خارج القاعة، كان مشهداً بالغ الدلالة: وزير العدل بحاجة إلى وزير آخر ليضبط أعصابه، لا ليبرّر مواقفه القانونية. كأننا أمام وزير يشتعل سريعاً، يحتاج إلى “رجل إطفاء” في كل محطة، بدل أن يكون هو نفسه عنصر توازن في مشهد سياسي متوتر بطبيعته.
ثم يعود وهبي بعد دقائق بنبرة أكثر هدوءاً. لا اعتذار، لا مراجعة، لا حتى إقرار بأن العبارة كانت زائدة أو غير موفقة. فقط انتقال من سرعة قصوى في السخرية إلى سرعة متوسطة في التبرير. وكأن المشكلة ليست في الجوهر، بل في “درجة الصوت”. وزير العدل لم يرَ في كلامه ما يخلّ بقدسية المؤسسة أو يقلّل من احترامها؛ المشكلة في نظره تكمن في ردود فعل الآخرين، لا في فعله الأول.
ومن زاوية أخرى، يكشف سلوك وهبي نوعاً من “العقلية السلطوية المتخفّية في ثوب الجرأة السياسية”:
– يسخر من النائبة بدل الرد على مضمون مداخلتها.
– يلمّح إلى أنها “تلقي بيانات ثورية” بدل مناقشة نص قانوني.
– يضع نفسه في موقع من “يقيّم” أسلوب النواب، وكأنه معلّم يوبّخ تلاميذه، لا وزيراً يجيبه ممثلو الأمة.
هذه ليست جرأة ولا صراحة ولا “لغة جديدة” كما يحاول البعض أن يقدّمها؛ هذا استخفاف بمقام البرلمان، وخلط بين المجالين: منبر الحزب أو التجاذب الإعلامي، ومنبر الحكومة في المؤسسة التشريعية. وشتّان بين الاثنين.
في مشهد طرد النائب عبد الصمد الحيكر، بدا البرلمان منقسماً بين رئيس جلسة يلوّح بالإنذار، ونواب يحتجون، ووزير عدل يشكّل أصل الأزمة وليس جزءاً من حلّها. السخرية هنا أن الشخص الذي أجّج التوتر، بعبارة واحدة، خرج عملياً من الجلسة محاطاً بحماية سياسية وأمنية، بينما يدفع نائب ثمن ردّ فعله على الاستفزاز.
من حق الوزير أن يدافع عن سياساته، وأن يرد على الانتقادات، وأن يمارس السياسة بخلفيته الحزبية. لكن ليس من حقه أن يحوّل البرلمان إلى قاعة تجارب لبلاغته الساخرة، ولا أن يختبر حدود التحمل لدى النواب بجمل من نوع “بيان مجلس قيادة الثورة”. وزير العدل لا يُقاس نجاحه بمدى “قساوة ردوده” أو “قُدرة عباراته على جلب العناوين”، بل يُقاس بقدرته على جعل القانون يبدو أكبر من الأشخاص، وأعلى من الأهواء، وأسمى من الانفعالات.






