...

ملف التقاعد يحرج حكومة أخنوش وسط رفض نقابي واسع

ملف التقاعد يحرج حكومة أخنوش وسط رفض نقابي واسع

مرة أخرى يجد المغاربة أنفسهم أمام مسلسل ممل اسمه “إصلاح التقاعد“. مسلسل بلا بطل حقيقي، مليء بالحوارات المكررة، والنهاية دائمًا معروفة: المواطن البسيط هو الضحية.

الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش تتعامل مع هذا الملف وكأنه لغز في رواية بوليسية، لكن الفرق أن المجرم معروف منذ البداية: الطبقة الشغيلة.

المنظمة الديمقراطية للشغل صرّحت بوضوح أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح من دون إرادة سياسية. إرادة؟ كلمة جميلة، لكنها غريبة في القاموس الحكومي. الحكومة تفضّل السيناريو الأسهل: رفع سن التقاعد حتى يصبح المتقاعد أقرب إلى حفرة القبر منه إلى طابور صرف المعاش. أما الحل الثاني فهو زيادة الاقتطاعات من الأجور، وكأن جيوب الأجراء لم تتحول بعد إلى صناديق سوداء مفتوحة على الدوام.

المثير للضحك أن نفس الوصفات الفاشلة يتم إعادة تدويرها كل بضع سنوات. إصلاح 2016 في عهد بن كيران رفع سن التقاعد، زاد الاقتطاعات، وقلّص قيمة المعاشات. النتيجة؟

المتقاعد خرج بجيب فارغ وصحة منهكة، والصناديق بقيت مثقوبة كما هي. الآن الحكومة تريد إعادة نفس السيناريو. السؤال البسيط: إذا كان العلاج قتل المريض، لماذا نعيد نفس الجرعة كل مرة؟

الأرقام تكشف الفضيحة أكثر مما تخفيها. موظفو الدولة أقل من مليون، مستخدمو المؤسسات العمومية لا يتعدون مئتي ألف، بينما القطاع الخاص يضم ملايين الأجراء. ومع ذلك، الإصلاحات دائمًا تصبّ على رأس الموظف والمستخدم الصغير. أما كبار أصحاب الثروات فرؤوس أموالهم محصنة ضد الضرائب وكأنها مقدسة. النقابات تطالب بفرض ضرائب على رأس المال، لكن يبدو أن الحكومة تعاني حساسية شديدة تجاه هذا المطلب.

المشهد الديمغرافي بدوره مثير للسخرية السوداء. متوسط العمر ارتفع إلى 76 سنة، وهذا خبر سيئ للصناديق. بدل أن يكون العمر الطويل مكسبًا، صار لعنة مالية. الخصوبة انخفضت، وعدد النشيطين يتراجع، لتصبح المعادلة كاريكاتورية:

عدد المتقاعدين في ازدياد، وعدد المساهمين في تناقص. النتيجة النهائية واضحة، لكن الحكومة تصر على معاقبة الشريحة الأضعف بدل البحث عن حلول عادلة.

أما عن المعاشات نفسها، فحدث ولا حرج. الحد الأدنى في CNSS لا يتجاوز 1500 درهم، أقل من خط الفقر الوطني. المتقاعد المغربي يواجه كلفة العيش بمرتب لا يكفي حتى لسداد فاتورة دواء الضغط والسكر.

والأسوأ أن المعاشات لم تُراجع منذ أكثر من ربع قرن، وكأن التضخم وغلاء الأسعار مجرد إشاعة في نشرة الأخبار.

في كل هذا الجدل، يظهر سؤال استنكاري: لماذا نعيد نفس الإصلاحات الترقيعية التي أثبتت فشلها؟ الجواب بسيط جدًا: لأنها الأسهل سياسيًا والأقسى اجتماعيًا.

رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات قرار سريع لا يحتاج إلى ذكاء ولا إبداع، فقط يحتاج إلى طبقة عاملة صبورة ومتعبة لا تملك رفاهية الاعتراض.

المنظمة الديمقراطية للشغل دعت إلى إصلاح هيكلي شامل يضمن معاشًا كريمًا، نظامًا موحدًا، وعدالة بين الأجيال. لكن من يسمع؟ في قاعة الحكومة الصوت الوحيد المسموع هو صوت الآلة الحاسبة التي تحسب كلفة الإصلاح بالدرهم والدرهمين، دون أي اعتبار للكرامة الإنسانية.

الخلاصة أن التقاعد في المغرب يشبه مقعدًا مكسورًا: مهما أصلحته بقطع خشب أو مسامير، سيبقى غير صالح للاستعمال ما لم تغيّر الأساس. والحكومة للأسف ما زالت تفضل طلاء الكرسي القديم بدلًا من شراء واحد جديد. أما المواطن، فسيظل يجلس على هذا الكرسي المائل حتى يسقط معه في نهاية العمر.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى