السنتيسي يرد على «الغياب».. لكن سلا تبحث عن الحصيلة لا عن دفتر الحضور
ردّ إدريس السنتيسي، عبر صفحته على فيسبوك، على التعليقات التي تتحدث عن غيابه، مستعرضاً حضوره في البرلمان والحياة الحزبية والتدبير المحلي، وكأن المعركة الانتخابية تحولت فجأة إلى مباراة في إثبات الحضور ومن يملك أكبر عدد من السنوات في الصف السياسي.
لكن المواطن لا يعيش داخل البرلمان، ولا يتابع السياسيين بعدّ الاجتماعات والمهام والمواقع. المواطن يعيش في سلا، وسط مشاكل يومية يعرفها أكثر من أي سيرة ذاتية انتخابية، ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن كان حاضراً في المشهد، وإنما بما تركه هذا الحضور وراءه.
السنتيسي يقول إنه كان حاضراً.
جميل.
لكن السياسة ليست حصة مدرسية يُسجل فيها الأستاذ أسماء الحاضرين، ثم يمنح نقطة إضافية لمن قال «حاضر» بصوت مرتفع.
الحضور السياسي الحقيقي يبدأ عندما يتحول إلى حصيلة، والحصيلة تبدأ عندما يجد المواطن شيئاً تغير في حياته، لا عندما يجد منشوراً جديداً على فيسبوك يشرح له أن السياسي كان موجوداً.
وهنا بالضبط تبدو المسافة بين الحضور كما يراه السياسي، والحضور كما يتذكره المواطن.
فالمواطن لا يحتفظ في ذاكرته بعدد المرات التي جلس فيها المنتخب تحت قبة البرلمان، ولا بعدد الصور التي التقطت في الاجتماعات، ولا بعدد التصريحات التي خرجت في المنابر الإعلامية. ما يبقى عنده أبسط من ذلك بكثير: ماذا فعلتم عندما كنتم في موقع المسؤولية؟
وهذه ليست مسألة شخصية تخص السنتيسي وحده، بل هي قاعدة بسيطة في السياسة: المقاعد لا تصنع الحصيلة، الحصيلة هي التي تعطي للمقاعد معناها.
أما الحديث عن سنوات الحضور السياسي، فيمكن أن يتحول بسهولة إلى سيرة طويلة جداً، لكنها لا تجيب بالضرورة عن الأسئلة التي يحملها المواطن معه إلى صندوق الاقتراع.
والأكثر إثارة في المشهد هو أن السنتيسي يخوض اليوم تجربة انتخابية بلون حزبي جديد، بعد انتقاله من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال. الانتقال الحزبي حق سياسي مشروع، ولا يحتاج إلى محاكمة، لكن المواطن أيضاً من حقه أن يقارن بين الأمس واليوم، وأن يتساءل في تقييمه السياسي عن معنى هذا التحول وما الذي تغير في المشروع والخطاب والأولويات.
فاللافتة يمكن تغييرها في ليلة واحدة.
أما ذاكرة المدينة، فلا تعمل بهذه السرعة.
سلا لا تحتاج إلى إعادة تشغيل الأرشيف كلما تغير لون الحزب. المواطن يعرف الوجوه، ويتذكر المسارات، ويقارن بين ما قيل وما تحقق. وهذه المقارنة هي التي تجعل الانتخابات أكثر من مجرد موسم للصور والشعارات.
ومن هنا، فإن الرد على انتقادات «الغياب» بمنشور طويل عن الحضور قد لا يكون كافياً. لأن المشكلة ليست في أن المواطن لا يعرف أن السياسي موجود، بل في أنه يريد أن يعرف ماذا فعل هذا الوجود.
السياسة ليست شهادة حضور.
والبرلمان ليس جهازاً لتسجيل البصمات.
والانتخابات ليست مسابقة لمعرفة من قضى أطول مدة داخل المؤسسات.
السياسة في النهاية حصيلة، والناس في الأحياء لا يصوتون على عدد الاجتماعات التي حضرها المنتخب، بل على ما يعتقدون أنه قدمه أو لم يقدمه.
وهنا تصبح السخرية أقرب إلى الواقع من كل البيانات: يمكن للسياسي أن يقول «كنت حاضراً»، ويمكن للمواطن أن يجيبه من موقعه البسيط: «حاضر فين؟»
ذلك أن الحضور الذي لا يتحول إلى أثر يبقى مجرد حضور في السجلات، بينما الحضور الذي يغير حياة الناس لا يحتاج إلى منشور على فيسبوك حتى يتذكره الناس.
ومع اقتراب انتخابات 2026، ستكون هذه المعادلة أكثر حضوراً في سلا: ليس من كان حاضراً فقط، بل ماذا بقي من حضوره.
فالسياسي يستطيع أن يغير الحزب، ويغير الشعار، ويغير صورة الحملة، لكن المواطن لا يغير ذاكرته بهذه السهولة.





