
غياب صورة الملك في لقاء دبلوماسي يفجّر جدلًا بمجلس جهة فاس
غياب صورة الملك في لقاء دبلوماسي يفجّر جدلًا بمجلس جهة فاس
في مشهد يصلح لأن يكون درسًا تطبيقيًا في الالتباس المؤسسي، احتضن مقر مجلس جهة فاس-مكناس لقاءً دبلوماسيًا جمع نائب المستشار السياسي بالسفارة الأمريكية برئيس المجلس عبد الواحد الأنصاري، بحضور مسؤول دبلوماسي أجنبي. لقاء عادي في ظاهره، لولا تفصيلة صغيرة جدًا… بحجم صورة غائبة، لكنها بثقل مؤسسة.
فالقاعدة الذهبية في كل الإدارات والمؤسسات المنتخبة بالمغرب واضحة ولا تحتاج إلى مذكرة تفسيرية: صورة الملك محمد السادس حاضرة دائمًا، خاصة حين يتعلق الأمر بلقاءات رسمية تضم تمثيلًا خارجيًا. غير أن الحاضرين في هذا اللقاء وجدوا أنفسهم أمام ديكور مختلف، حيث غابت الصورة الملكية، وحضرت بدلًا عنها صورة شخصية لعبد الواحد الأنصاري، معلقة بثقة في خلفية مكتب الاستقبال، وكأن الرسالة غير المكتوبة تقول: “الدولة في عطلة… والصورة رئاسة دائمة”.
هنا يبدأ السؤال الساخر الجاد في آن واحد: هل كنا داخل مؤسسة دستورية منتخبة أم داخل مكتب شخصي تم ترقيته مؤقتًا إلى مجلس جهة؟ وهل نحن أمام سهو بروتوكولي عابر، أم أمام فهم “مرن جدًا” لمفهوم الرمزية المؤسساتية؟
الأعراف الإدارية المغربية لا تترك مجالًا كبيرًا للاجتهاد في مثل هذه الحالات. فالصورة الملكية ليست عنصر زينة، بل رمز للدولة واستمراريتها، وحضورها في الأنشطة الرسمية، خصوصًا تلك التي تضم شركاء أجانب، جزء من البروتوكول وليس خيارًا ديكوريًا. واستبدالها بصورة شخصية، أياً كان صاحبها، يُعد خروجًا صريحًا عن هذا العرف، أو على الأقل محاولة لإعادة تعريفه على مقاس المكتب.
الطرافة السوداء في المشهد تزداد حدّة حين يوضع هذا “الاجتهاد البصري” في سياق أوسع، إذ إن عبد الواحد الأنصاري ليس اسمًا عابرًا في النقاش العمومي. فالرجل سبق أن لاحقته اتهامات بصفقات مشبوهة خلال فترة رئاسته لمجلس المستشارين، وهي ملفات لم تغادر ذاكرة المتابعين، وتعود اليوم لتمنح هذا التفصيل البروتوكولي الصغير وزنًا سياسيًا أكبر من حجمه.
الخبر، كما نشره موقع كود، لم يكن مجرد نقل لواقعة شكلية، بل فتح بابًا واسعًا للتساؤل حول حدود الخلط بين الشخصي والمؤسساتي، وحول ما إذا كانت بعض المسؤوليات تُمارس بمنطق الدولة أم بمنطق “المكتب الخاص مع ضيوف دوليين”.
في النهاية، قد تُعلّق الصورة وتُنزَع في دقائق، لكن الرسائل التي تلتقطها الكاميرات والعيون لا تُمحى بسهولة. وفي بلد تُحسب فيه الرموز بدقة، قد يتحول غياب صورة إلى حضور قوي لأسئلة أكبر: من يمثل من؟ وأين تنتهي المؤسسة ويبدأ الشخص؟






