
شكراً أخنوش.. سبتة تستقبل المئات والحكومة تحتفي بالحصيلة
شكراً أخنوش.. سبتة تستقبل المئات والحكومة تحتفي بالحصيلة
في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة تقديم حصيلتها والدفاع عن مؤشرات النمو والاستثمار وخلق فرص الشغل، كانت سواحل سبتة المحتلة تكتب رواية أخرى، بوجوه شابة اختارت مواجهة البحر بدل انتظار وعود جديدة.
لم يكن المشهد مجرد محاولة هجرة غير نظامية، بل صورة تختزل حجم المسافة بين الأرقام التي تُعرض في الندوات والواقع الذي يعيشه جزء من الشباب.
الصور القادمة من الشمال لم تكن بحاجة إلى تعليق. عشرات الشبان يركضون، وآخرون يلقون بأنفسهم في البحر، وكل واحد منهم يحمل سؤالًا أكبر من أي بلاغ حكومي: إذا كانت الحصيلة بهذا النجاح، فلماذا أصبح البحر أكثر إقناعًا من سوق الشغل؟
الحكومة تتحدث عن مشاريع كبرى، واستثمارات، وإصلاحات، وبرامج للتشغيل. لكن الشاب الذي يقف على الشاطئ لا يقيس السياسات العمومية بعدد العروض التقديمية، بل بقدرته على العثور على وظيفة تحفظ كرامته، وسكن يطيق تكلفته، وأفق يجعله يؤجل فكرة الهجرة، لا أن يجعلها مشروعه الوحيد.
المفارقة أن الحكومة تحتفل بحصيلتها، بينما تحتفل شبكات التواصل كل يوم بمقاطع جديدة لشباب يحاولون الوصول إلى سبتة. هنا تُرفع الأرقام، وهناك ترتفع نسبة اليأس. هنا تُتلى الإنجازات، وهناك يُقرأ الواقع بلغة مختلفة تمامًا.
الهجرة غير النظامية ليست ملفًا أمنيًا فقط، ولا يمكن اختزالها في نشاط شبكات التهريب. إنها مؤشر اجتماعي يعكس أزمة ثقة يعيشها جزء من الشباب، ورسالة تقول إن النمو الاقتصادي، مهما كانت أرقامه، يفقد معناه عندما لا ينعكس على حياة الناس وفرصهم.
ولا أحد ينكر أن هذه الظاهرة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وتعليمية وإقليمية، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الحكومة عن تقييم أثر سياساتها. فالحكومة لا تُحاسب على ما تقوله في البلاغات، بل على ما يشعر به المواطن في حياته اليومية.
ما حدث في سبتة ليس خبرًا عابرًا في صفحة الحوادث، بل إنذار سياسي واجتماعي. لأن الشباب الذي يرى مستقبله خلف الأسلاك الشائكة أو فوق أمواج البحر، يبعث برسالة واضحة مفادها أن الثقة لم تعد تُبنى بالشعارات، بل بالنتائج.
قد تنجح الحكومات في الدفاع عن حصيلتها بالأرقام، لكن صورة شاب يغامر بحياته بحثًا عن فرصة، تظل أبلغ من عشرات المؤتمرات الصحافية. فحين يصبح البحر عنوانًا للأمل، يصبح من حق المغاربة أن يسألوا: أين أخطأت السياسات العمومية في إقناع هؤلاء بأن مستقبلهم يوجد هنا؟







