فوزي لقجع.. حين دخل دينامو الرياضة إلى قلب السياسة وأعاد الحيوية إلى المشهد الحزبي
لحسن شرماني..
لم يكن دخول فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة مجرد انتقال لشخصية معروفة من مجال إلى آخر، بل شكل، منذ الإعلان عنه، حدثا سياسيا أعاد تحريك مياه ظلت لفترة طويلة راكدة، وفتح نقاشا واسعا حول طبيعة النخب التي يحتاجها المشهد السياسي المغربي، وحول قدرة الأحزاب على تجديد خطابها ووجوهها وأدواتها في التواصل مع المواطنين.

فلقجع دخل إلى السياسة من موقع مختلف عن ذلك الذي اعتاده المغاربة خلال السنوات الماضية.. فهو لم يكن نتاجا للمسار الحزبي التقليدي، ولم يصعد عبر التنظيمات الشبابية أو الهياكل المحلية وصولا إلى القيادة، وإنما جاء من تجربة مهنية وإدارية ورياضة جعلته اسما معروفا على المستوى الوطني، قبل أن يقرر خوض تجربة سياسية مباشرة من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة.

هذا التحول منح «البام» عنصرا جديدا في معادلة المنافسة، خصوصا أن لقجع لم يقدم نفسه باعتباره زعيما حزبيا تقليديا، وإنما كإطار راكم تجربة في مجالات المالية والتدبير والرياضة، وهو ما جعل حضوره السياسي مرتبطا منذ البداية بمفهوم الكفاءة والخبرة والقدرة على تدبير الملفات المعقدة.

ولعل أبرز ما يميز دخول لقجع إلى المشهد السياسي هو أنه جاء في لحظة تعرف فيها الحياة الحزبية المغربية حاجة متزايدة إلى إعادة النظر في طرق التواصل مع المواطنين. فبعد سنوات من الخطابات الانتخابية التي امتلأت بالوعود والشعارات، وتنافس الأحزاب في كثير من الأحيان على رفع سقف الانتظارات، أصبح جزء من النقاش العمومي أكثر ارتباطاً بما يمكن إنجازه فعليا، وبمن يمتلك القدرة على تنزيل البرامج وتحويلها إلى سياسات ونتائج قابلة للقياس.

وفي هذا السياق، جاء لقجع بصورة مختلفة؛ صورة المسؤول الذي ارتبط اسمه لسنوات بالتدبير والإنجاز داخل مؤسسات ومجالات متعددة، قبل أن ينتقل إلى واجهة العمل السياسي. وهو ما جعل حضوره يستفز الأسئلة أكثر مما يستفز الشعارات: ماذا يمكن أن تضيف الكفاءة التقنية إلى العمل الحزبي؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تستقطب شخصيات من خارج المدرسة الحزبية التقليدية؟ وهل يمكن أن يتحول هذا النوع من الانفتاح إلى مدخل لتجديد النخب السياسية؟

الأكيد أن حضور لقجع أعاد إلى الواجهة مفهوم «الكفاءة» باعتباره أحد معايير الاختيار السياسي، بعدما ظل النقاش الحزبي في عدد من المحطات أسيرا لصراعات الزعامات والحسابات التنظيمية والتجاذبات بين الأحزاب. كما أعاد طرح سؤال العلاقة بين النجاح في تدبير المؤسسات والنجاح في العمل السياسي، وهي علاقة لا يمكن حسمها بالشعارات، وإنما تختبرها الممارسة والقدرة على تحمل المسؤولية والاشتغال داخل المؤسسات المنتخبة.

واللافت أيضا أن لقجع لم يدخل إلى «البام» في ظرف عادي، وإنما في محطة انتخابية شديدة التنافس، حيث تسعى الأحزاب إلى تقديم نفسها أمام الناخبين باعتبارها قادرة على قيادة المرحلة المقبلة.. ولذلك أصبح حضوره جزءا من النقاش حول تجديد الوجوه داخل الأحزاب، واستقطاب شخصيات ذات مسارات مهنية خارج الدوائر الحزبية التقليدية.
وفي مقابل ذلك، فإن المشهد السياسي المغربي لا يخلو من انتقادات موجهة إلى عدد من الأحزاب بسبب طبيعة الخطاب الذي طبع بعض مراحل المنافسة السياسية، خصوصا حين تحولت المواجهة من التنافس حول البرامج والسياسات العمومية إلى سجالات شخصية وخطابات صدامية، في وقت ينتظر فيه المواطن إجابات عملية عن الأسعار، وفرص الشغل، والصحة، والتعليم، والنقل، والاستثمار، والخدمات العمومية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاهتمام المتزايد بحضور لقجع باعتباره جزءا من بحث أوسع عن نموذج جديد للسياسي المغربي: سياسي لا يكتفي بإتقان الخطابة، وإنما يأتي أيضاً بخبرة مهنية وتجربة في التدبير، ويُطالب بتقديم حصيلة وأرقام ونتائج بدل الاكتفاء بالوعود.
كما أن التحاق شخصية بحجم لقجع بحزب سياسي أعاد فتح النقاش حول قدرة الأحزاب على استقطاب الكفاءات الوطنية الموجودة خارج الحقل السياسي.. فالأحزاب، في نهاية المطاف، لا يمكن أن تستمر في إعادة إنتاج الوجوه نفسها والخطابات نفسها إذا كانت تطمح إلى استعادة ثقة أوسع لدى الناخبين، خصوصا الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر ارتباطاً بالنتائج الملموسة وأقل اقتناعاً بالخطاب السياسي التقليدي.
وبالنسبة إلى «البام»، فإن لقجع أضاف إلى صورته التنظيمية والسياسية شخصية ذات حضور وطني واسع، وهو ما يفرض في المقابل على الحزب أن يحول هذا الاستقطاب إلى قيمة مضافة على مستوى النقاش السياسي والبرامج والسياسات العمومية، وليس فقط إلى اسم انتخابي قادر على جذب الانتباه.
أما لقجع نفسه، فإن دخوله إلى السياسة يضعه أمام اختبار مختلف تماما عن الاختبارات التي خاضها سابقاً. فالسياسة لا تقاس فقط بالقدرة على التدبير، وإنما أيضاً بالقدرة على الإقناع، وبناء التوافقات، والتفاعل مع المواطنين، وتحمل النقد، والعمل داخل المؤسسات، والوفاء بالالتزامات التي تترتب عن أي موقع سياسي.
وبذلك، فإن القيمة السياسية الحقيقية لهذه التجربة لن تحسمها الحملات الانتخابية ولا الضجة التي رافقت الإعلان عن التحاقه بـ«البام»، وإنما ما ستفرزه الممارسة السياسية لاحقا… غير أن المؤكد أن دخوله إلى الحقل الحزبي أحدث حركة في مشهد كان يحتاج إلى وجوه جديدة وأساليب مختلفة، وأعاد إلى النقاش سؤالا أساسيا: هل تستطيع السياسة المغربية الانتقال من زمن الزعامات والخطابات المستهلكة إلى زمن الكفاءات والنتائج؟






