هل استهان مزور بتضحيات الجالية؟

هل استهان مزور بتضحيات الجالية؟

في تصريح أثار موجة جدل، اعتبر رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، أن عودة المغاربة المقيمين بالخارج إلى وطنهم أمر عادي لا يستوجب الشكر، مذكّرًا بأن الوطن هو بيت أبنائه، وأن العودة لا ينبغي أن تُقدَّم كهدية.

من حيث المبدأ، العبارة تبدو وطنية. لكن في السياسة، التفاصيل تصنع العاصفة. فالجالية المغربية لا تعيش في الخارج كخيار سياحي، بل تبني مسارات مهنية وعائلية معقدة، وتساهم سنويًا بتحويلات مالية تشكل دعامة أساسية للاقتصاد الوطني. العودة بالنسبة لكثيرين ليست “زيارة للبيت”، بل مغامرة محفوفة بمخاطر مهنية وإدارية.

السخرية السياسية أن الوزير الذي يُفترض أن يشتغل على جذب الاستثمار والكفاءات، اختار خطابًا أقرب إلى التبسيط منه إلى التحفيز. حين تقول للكفاءة “عودتك أمر عادي”، قد تنسى أن هذه الكفاءة تقارن بين أنظمة إدارية، وبيئات أعمال، وفرص حقيقية للاندماج. الوطنية شعور، لكن القرار اقتصادي في جوهره.

انتقادات الجالية لم تكن عاطفية بقدر ما كانت واقعية: العودة تعني التخلي عن استقرار مهني، مواجهة مساطر إدارية معقدة، وإعادة بناء شبكة علاقات من الصفر. فإذا لم تكن البيئة المحلية جاهزة لاستقبالهم، فإن الخطاب وحده لا يكفي.

الأخطر أن الجدل كشف فجوة أعمق: هل لدينا سياسة واضحة لاستقطاب الكفاءات المغربية بالخارج؟ هل توجد حوافز ضريبية، تسهيلات إدارية، مسارات إدماج سريعة؟ أم أن الرهان ما زال على العاطفة الوطنية وحدها؟

CNSS ramadan2026 728x90 2

رياض مزور أمام درس بسيط في التواصل السياسي: الجالية ليست ملفًا ثانويًا، بل رافعة اقتصادية واستراتيجية. والاعتراف بصعوبة العودة لا ينتقص من الوطنية، بل يعزز الثقة.

في النهاية، لا أحد يطلب الشكر على العودة إلى الوطن. لكن الكثيرين ينتظرون الاحترام، والوضوح، وسياسات تجعل العودة خيارًا عمليًا لا مخاطرة محسوبة على حسابهم وحدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى