شهيد يهاجم حصيلة أخنوش… خطاب مزوّق وواقع يفضحه السوق

شهيد يهاجم حصيلة أخنوش… خطاب مزوّق وواقع يفضحه السوق

في جلسة برلمانية كان يُفترض أن تُقدَّم فيها حصيلة حكومة عزيز أخنوش بكل هدوء وثقة، تحولت القاعة إلى منصة مواجهة مباشرة، حين اختار عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، أن يضع الخطاب الحكومي تحت مجهر النقد، بلغة صريحة لا تترك مجالاً للتأويل.

شهيد بدأ من نقطة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها ثقيلة في دلالتها، حين تساءل عن توقيت تقديم الحصيلة، معتبرًا أن الحكومة استعجلت عرضها قبل نهاية الولاية، وكأنها تُسابق الزمن للتخلص من عبء المساءلة، في مشهد يشبه مغادرة السفينة قبل أن تصل إلى الميناء، بينما الربان الحقيقي يُفترض أن يكون آخر من يغادر.

هذا التسرع، في نظره، لم يكن بريئًا، بل يعكس رغبة في تقديم صورة منقوصة، تُركّز على ما تحقق – أو ما يُقال إنه تحقق – دون التوقف عند ما فشل أو تعثر، وهو ما يجعل أي حصيلة، مهما بدت متماسكة في خطابها، تفتقد لعنصر التوازن بين الإنجاز والإخفاق.

وفي قراءة دقيقة لمضمون العرض الحكومي، اعتبر شهيد أن الخطاب انشغل باستعراض “منجزات” عامة، بعضها لا يرتبط مباشرة بأداء الحكومة، في مقابل تجاهل أحداث كبرى هزت المجتمع المغربي، من زلازل وفيضانات، وكأن الحصيلة تُكتب بذاكرة انتقائية، تُبرز الأفراح وتُخفي الأزمات.

النقطة التي فجّرت النقاش كانت اتهامه للحكومة بتغوّلها على المؤسسة التشريعية، حيث أشار إلى غياب رئيس الحكومة عن جلسات المساءلة الشهرية، وتغيب عدد من الوزراء عن الجلسات الرقابية، إلى جانب عدم التفاعل مع مقترحات القوانين والأسئلة البرلمانية، وهو ما اعتبره خرقًا واضحًا لمقتضيات الدستور وإضعافًا لدور البرلمان.

ولم يتوقف النقد عند الجانب المؤسساتي، بل امتد إلى لغة الخطاب نفسه، التي وصفها شهيد بأنها مشحونة بمفردات التبرير والهجوم، بدل أن تكون موجهة للإجابة والتوضيح، في وقت كان ينتظر فيه المواطن خطابًا يعترف بالأخطاء قبل أن يتحدث عن الإنجازات.

أما في ما يخص الأثر الفعلي للسياسات الحكومية، فقد اختار شهيد أن ينقل النقاش من القاعة إلى السوق، حيث لا تُقاس الحصيلة بالكلمات، بل بالأسعار: زيت تضاعف، لحم قفز، دجاج ارتفع، وسردين أصبح خارج متناول فئات واسعة، وهي مؤشرات يراها المواطن يوميًا، ولا تحتاج إلى تقارير لتأكيدها.

وفي ملف الأمن الغذائي، اعتبر المتحدث أن الحديث عن السيادة الغذائية فقد مصداقيته، في ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد في مواد أساسية، ما يجعل الشعارات المرفوعة أقرب إلى وعود مؤجلة منها إلى سياسات قائمة.

كما توقف عند ما وصفه بـ”القرارات الصعبة” التي تتحدث عنها الحكومة، متسائلًا عن طبيعتها الحقيقية، في غياب توضيحات دقيقة، معتبرًا أن هذا المفهوم تحول إلى غطاء لغوي يُستخدم دون مضمون واضح، لتبرير اختيارات لا تصل نتائجها إلى المواطن.

الشق الاقتصادي من الخطاب لم يسلم بدوره من النقد، حيث اعتبر شهيد أن توجه الحكومة يعكس ميلاً نحو دعم الفاعلين الكبار، مقابل أثر محدود على الفئات الهشة، في نموذج وصفه بغير المتوازن، خاصة في ظل الأرقام المرتبطة بالاستثمار والدعم.

كما كشف تحليل الخطاب الحكومي، حسب المتدخل، عن اختلال في توزيع الاهتمام بين القطاعات، حيث هيمنت مجالات معينة على الحصيلة، بينما غابت أخرى بشكل شبه كامل، وهو ما يطرح تساؤلات حول أولويات الحكومة ومدى شمولية تقييمها.

وفي ما يتعلق بورش الحماية الاجتماعية، شدد شهيد على أنه مشروع ملكي طويل الأمد، لا يمكن اختزاله في حصيلة حكومية ظرفية، مشيرًا إلى أن جزءًا مهمًا منه لم يتحقق بعد، خاصة ما يتعلق بالتعويض عن فقدان الشغل والتقاعد، ما يجعل الإعلان عن إنجازه الكامل سابقًا لأوانه.

النقد لم يكن فقط موجّهًا للأرقام أو السياسات، بل أيضًا لطريقة تدبير العمل الحكومي، حيث اعتبر أن انشغال الأغلبية بالسياق الانتخابي بدأ ينعكس على أداء القطاعات، التي أصبحت تُدار بمنطق حزبي ضيق، بدل منطق الخدمة العمومية.

في النهاية، رسمت مداخلة شهيد صورة مغايرة تمامًا للحصيلة التي قدمها أخنوش، صورة تُبرز فجوة واضحة بين الخطاب والواقع، بين الأرقام المعلنة والمعيش اليومي، لتبقى الحقيقة، كما عبّر عنها، بسيطة ومباشرة: المواطن لا يقيس النوايا، بل يقيس أثر السياسات في حياته اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى