حين تسقط اللغة السياسية: رياض مزور في اختبار احترام مغاربة العالم

حين تسقط اللغة السياسية: رياض مزور في اختبار احترام مغاربة العالم

في السياسة، قد يختلف المسؤولون في القرارات، وقد تتباين الرؤى حول السياسات العمومية، لكن هناك قاعدة غير مكتوبة يفترض أن تبقى ثابتة: احترام المواطنين، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفئة تحمل اسم الوطن خارج حدوده.

غير أن التصريح الذي صدر عن وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، مخاطباً مغاربة العالم بعبارة “بالزعط”، فتح نقاشاً سياسياً حاداً حول مستوى الخطاب الذي بات يصدر عن بعض المسؤولين.

المشكل هنا ليس مجرد كلمة خرجت عن سياقها، بل صورة كاملة عن علاقة السلطة بالمواطن. حين يخاطب وزير شريحة واسعة من المغاربة بهذه النبرة، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام ليست مجرد مزحة لغوية أو تعبير عابر، بل انطباع بأن لغة الاستعلاء أصبحت مقبولة داخل الفضاء السياسي. وهذا بالضبط ما يثير القلق.

مغاربة العالم ليسوا هامشاً في المعادلة الوطنية حتى يُخاطَبوا بهذا القدر من الاستخفاف. هؤلاء يمثلون ملايين المغاربة المنتشرين في أوروبا وأمريكا وكندا ودول أخرى، وهم ليسوا مجرد مهاجرين اقتصاديين، بل قوة اقتصادية وثقافية حقيقية. تحويلاتهم المالية وحدها تكشف حجم مساهمتهم في الاقتصاد الوطني، حيث تجاوزت في السنوات الأخيرة عتبة 13 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يجعلهم أحد أعمدة الاستقرار المالي للمغرب.

لكن المفارقة أن هذه الشريحة التي يصفها الخطاب الرسمي دائماً بأنها “جزء لا يتجزأ من الأمة المغربية”، تجد نفسها أحياناً موضوع خطاب سياسي متسرع أو مستفز. وهنا يظهر الخلل: فالدولة من جهة تشجع على الحفاظ على روابط الجالية مع الوطن، وتؤكد في أعلى المستويات على مكانتهم، بينما يخرج مسؤول حكومي بلغة قد تُفهم على أنها تقليل من قيمة هذا الدور.

CNSS ramadan2026 728x90 2

الخطاب السياسي ليس مجرد كلمات عابرة. إنه يعكس تصوراً للعلاقة بين الدولة والمجتمع. وعندما يختار مسؤول حكومي لغة عامية تحمل نبرة استهزاء في موضوع حساس، فإنه لا يخطئ فقط في التعبير، بل يغامر أيضاً بصورة المؤسسة التي يمثلها.

السياسي الذكي يعرف أن الكلمة قد تتحول إلى أزمة. والتجربة السياسية مليئة بأمثلة لمسؤولين دفعوا ثمن جملة واحدة قيلت في لحظة ارتجال. لأن المواطن قد يغفر الخطأ الإداري، لكنه نادراً ما يتسامح مع الإهانة الرمزية.

في النهاية، القضية ليست شخص رياض مزور بقدر ما هي نموذج لخلل أوسع في الثقافة السياسية. فالمسؤول العمومي ليس نجماً في برنامج ترفيهي، بل ممثل للدولة بكل رمزيتها. وكلما ارتفعت المسؤولية، ارتفع معها واجب الانضباط في الخطاب.

مغاربة العالم لا ينتظرون شكراً من أحد، لأن علاقتهم بالمغرب أعمق من المجاملات. لكنهم، مثل أي مواطن، ينتظرون شيئاً أبسط بكثير: الاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى