التعيينات قبل الرحيل… من يقتسم “كعكة” المناصب داخل الاستقلال؟

التعيينات قبل الرحيل… من يقتسم “كعكة” المناصب داخل الاستقلال؟

قبل أن تُطوى صفحة الولاية الحكومية، يبدو أن حزب الاستقلال اختار أن يختبر صبر مناضليه، وأن يمنح خصومه مادة دسمة للسخرية السياسية.

فداخل البيت الاستقلالي، يتصاعد التذمر من طريقة تدبير التعيينات والتوظيفات في عدد من المؤسسات العمومية، حيث تحوّل شعار “الاستحقاق” إلى ديكور لغوي، فيما بقيت الزبونية هي المخرج العملي الوحيد.

الانتقادات المتداولة لا تتحدث عن أخطاء تقنية عابرة، بل عن إدماج أسماء محسوبة على وزراء وشبيبة الحزب في مواقع حساسة، وكأن المؤسسات العمومية تحولت إلى ملاحق تنظيمية، تُكافَأ فيها القرابة الحزبية أكثر من الكفاءة الأكاديمية أو التجربة المهنية.

أما كفاءات الأقاليم الجنوبية، فغالبًا ما تُذكر فقط في الخطب، ثم تُنسى لحظة توزيع المناصب، دون أي شرح لمعايير الانتقاء أو منطق الاختيار.

وما يثير المفارقة أن هذا الغضب لا يقتصر على الاستقلاليين وحدهم، بل ينسحب على المشهد الحزبي برمّته. فالسؤال الذي يطرحه الرأي العام لم يعد من عيّن من؟ بل لماذا يُعيَّن هذا ويُقصى ذاك؟ وأين اختفت شعارات الشفافية وربط المسؤولية بالكفاءة حين دخلنا مرحلة “العدّ التنازلي” لعمر الحكومة؟

من داخل الأقاليم الجنوبية، يرتفع صوت استقلالي خافت لكنه حاد، يشكو ضعف تمثيلية الكفاءات المحلية في مواقع القرار. كفاءات درست، واشتغلت، وانتظرت، لتكتشف في النهاية أن الجغرافيا لا تكفي، وأن الولاء التنظيمي أهم من الخبرة، وأن الإنصاف يُؤجَّل إلى إشعار سياسي آخر.

النتيجة؟ شباب مغربي مؤهل، منتمٍ أو غير منتمٍ للأحزاب، يتابع هذا المشهد بقدر كبير من الإحباط. مسارات التوظيف تبدو مغلقة إلا لمن يملك “المفتاح الحزبي” المناسب، ما يفاقم فقدان الثقة في العمل السياسي، ويغذي العزوف، ليس عن الأحزاب فقط، بل عن فكرة المشاركة برمتها.

اليوم، تتعالى الدعوات لمراجعة معايير التعيين في المناصب العليا، ليس ترفًا أخلاقيًا، بل كضرورة سياسية. فبدون قواعد واضحة، وتنافس حقيقي، وربط فعلي بين المسؤولية والكفاءة، سيظل الخطاب الإصلاحي مجرد تمرين بلاغي، وستبقى المحسوبية هي السياسة العمومية الأكثر استقرارًا.

في العمق، لا يتعلق الأمر بحزب بعينه، بل بتحدٍ بنيوي يمس الحياة السياسية ككل. إما إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لمبدأ الاستحقاق، أو استمرار في تدوير الإحباط، حيث تخسر الأحزاب كفاءاتها، وتخسر المؤسسات ثقتها، ويخسر المواطن ما تبقى له من أمل في سياسة تُدار بالعقل لا بالقرابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى