
هدر المال العام في الصناعة التقليدية: معارض بلا جدوى ومعاناة الحرفي..
هدر المال العام في الصناعة التقليدية: معارض بلا جدوى ومعاناة الحرفي..
تُتقن كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني لعبة الأرقام. بلاغات مُحكَمة، نسب “نجاح” لامعة، ومشاركات دولية تُقدَّم بوصفها دليلًا على الإشعاع. غير أن الواقع، حين يُنصِت له أحد، يروي حكاية أخرى: حكاية حرفي لا يرى من هذه الأرقام إلا ظلّها، ولا يلمس من “النجاحات” سوى مزيد من الهشاشة.
الفجوة بين المُعلَن والمعيش لم تعد خافية. تُعلن الوزارة عن اختراقات في معارض أجنبية، بينما دخل الحرفي لا يتحرّك، واستقراره المهني يزداد ارتباكًا.
نجاح بلا أثر، وإنجاز بلا انعكاس. الأرقام ترتفع في الجداول، لكن الورشات تبقى مكانها، تواجه كلفة المواد الأولية، وضعف التسويق، وغياب المواكبة.
الأكثر إثارة للسخرية أن المال العام يُستنزف بسخاء في تنظيم هذه المعارض. سفر، إقامة، كراء فضاءات، تجهيزات… ثم يُقال إن الهدف هو دعم الصناعة التقليدية.
دعمٌ كان يمكن أن يبدأ من الأساسيات: تمويل الورشات، تحسين الجودة، بناء قنوات تسويق مستدامة. لكن ذلك أقل بريقًا من صورة في معرض بعيد، وأثقل على البلاغ.
ورغم محدودية العائد، تُصرّ الوزارة على النهج نفسه. تُعاد المعارض، وتُعاد الأرقام، وتُعاد اللغة ذاتها. كأن الاعتراف بعدم الجدوى خطيئة إدارية. تُقدَّم أرقام مُبالغ فيها، لا تعكس واقع الحرفيين، وتُسوَّق بوصفها دليل نجاح، فيما التقارير—حتى الرسمية منها—تُلمّح إلى غياب نتائج ملموسة.
في الميدان، الصورة قاتمة. حرفيون يُصارعون ارتفاع التكاليف، ضعف الطلب، وغياب تسويق فعّال. المشاركة في معرض خارجي لا تغيّر هذه المعادلة، وقد تزيدها تعقيدًا. يعود الحرفي إلى ورشته كما غادرها، بينما تُضاف مشاركته إلى لائحة “الإنجازات”.
سوء التخطيط وضعف التقييم حوّلا المعارض من أداة تنمية إلى عبء مالي. نشاطات تُنفَّذ لأن الميزانية موجودة، لا لأن الأثر مضمون. والنتيجة سياسة تُقاس بما أُنجِز، لا بما غيّر.
والمفارقة أن القطاع غني بإمكاناته البشرية والثقافية. هوية، مهارة، وتاريخ. ما ينقصه ليس معرضًا آخر، بل إدارة تُركّز على الإنسان قبل الصورة، وعلى الأثر قبل الرقم. تغيير الاستراتيجية لم يعد خيارًا تجميليًا، بل ضرورة: التوقف عن ادّعاء النجاح، وتوجيه الجهود نحو دعم مباشر، وتسويق ذكي، وتقييم صارم لكل درهم من المال العام.
إلى أن يحدث ذلك، ستظل الأرقام تحتفل، والمعارض تتنقّل، والحرفي—خارج الكادر—يواصل عدّ خسائره. نجاح رسمي صاخب… وفشل صامت على أرض الواقع.






