بعد الكارثة آسفي … نزار بركة يكتشف أن المطر كان غزيرًا…

بعد الكارثة آسفي … وزير التجهيز يكتشف أن المطر كان غزيرًا

لم تكن فاجعة الفيضانات التي ضربت آسفي مجرد حادث طبيعي عابر، بل تحولت بسرعة إلى مرآة قاسية عكست عطبًا أعمق في طريقة تدبير المخاطر، وفي لغة المسؤولين حين يُفاجَؤون بالواقع. في قلب هذه المرآة، وقف نزار بركة بخطاب بارد، متأخر، ومثقل بمصطلحات تقنية بدت، في لحظة الحداد والغضب، أشبه بمحاضرة نظرية أُلقيت في قاعة فارغة.

الوزير تحدث عن “دراسات تقنية” و“مراجعة خرائط”، وكأن المدينة غرقت لأن الخرائط لم تُحدَّث بعد، لا لأن السياسات الوقائية غابت، ولا لأن تدبير المخاطر ظل ملفًا مؤجلاً إلى أن يفيض الوادي. لم يكن في الخطاب اعتراف واحد بالتقصير، ولا إشارة سياسية واحدة إلى المسؤولية. فقط لغة محايدة، باردة، تُناسب تقريرًا إداريًا أكثر مما تُناسب كارثة حصدت أرواحًا.

وحين حاول الوزير تبرير الفاجعة بكميات الأمطار المرتفعة، بدا وكأنه يشرح للمواطنين معنى التغيرات المناخية، وكأن الضحايا لم يسمعوا من قبل عن الاحتباس الحراري. المشكلة لم تكن في المطر، بل في الاستعداد له. في الغياب الطويل لسياسات وقائية، وفي التعامل مع التحذيرات كأنها سيناريوهات نظرية لا تستحق الاستثمار.

الأكثر إثارة للدهشة كان الحديث عن السدود، التي “لم تستقبل سوى جزء من طاقتها”. جملة واحدة، لكنها كافية لفتح باب الأسئلة: إذا كانت السدود لم تُستغل، فلماذا غَرِقت المدينة؟ وإذا لم تكن قادرة على الحماية، فما جدوى المليارات التي صُرفت عليها؟ أسئلة لم تجد طريقها إلى خطاب الوزير، ربما لأنها تزعج أكثر مما تُفسِّر.

وللهروب إلى الأمام، جرى تحميل “تمركز المياه في المجال الحضري” مسؤولية الكارثة، وكأن التخطيط الحضري كائن مستقل عن الدولة، أو كأن إدارة المخاطر شأن بلدي صغير لا علاقة له بالسياسات الوطنية. هنا، تحولت الكارثة من فشل في الحكامة إلى خلل جغرافي، ومن مسؤولية سياسية إلى صدفة عمرانية.

صحيح أن الوزير أشاد بالقرارات الملكية لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، لكن الإشادة، مهما كانت صادقة، لا تُخفي فراغ ما قبلها. لأن إعادة التأهيل بعد الموت لا تعوّض الوقاية قبل الفيضانات. ولأن القرارات الاستثنائية لا يمكن أن تصبح بديلاً دائمًا عن سياسات عمومية غائبة.

ثم جاءت المفارقة الكبرى: الدعوة إلى إنجاز دراسات ميدانية جديدة… بعد الكارثة. هنا، يبلغ العبث ذروته. دراسات تُنجَز بعدما جرفت السيول البيوت، وبعدما دُفِن الضحايا. وكأن الدولة تتحرك دائمًا بزمن متأخر، تصل إلى المكان بعد أن يغادره الأمل.

في الشارع، الرسالة كانت أوضح من أي بلاغ. ثقة مهزوزة، ووعود لم تعد تُقنع، وخطاب رسمي لم يعد يُطمئن. المواطن لم يعد يطلب شرحًا تقنيًا لما حدث، بل يريد جوابًا سياسيًا بسيطًا: من المسؤول؟ وماذا تغيّر فعلًا حتى لا تتكرر المأساة؟

فيضانات آسفي لم تكن اختبارًا للأمطار، بل اختبارًا للحكامة. والنتيجة، حتى الآن، لا تبشّر. لأن المدن لا تحتاج إلى وزراء يجيدون تبرير الكوارث، بل إلى سياسات تمنع وقوعها. وما لم يتحول الخطاب من لغة الخرائط إلى لغة المحاسبة، سيظل المطر هو المتهم المثالي، وستظل المسؤولية… غارقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى