
بنسليمان… تعمير بلا ذاكرة ومحاسبة بنسخة تجريبية
بنسليمان… تعمير بلا ذاكرة ومحاسبة بنسخة تجريبية
بنسليمان، لا شيء يضيع، كل شيء يعود. حتى الخروقات الإدارية، لها قدرة عجيبة على البعث من جديد، مثل شخصيات المسلسلات الطويلة التي تُقتل في حلقة ثم تظهر فجأة في الموسم الموالي وكأنها كانت في إجازة قصيرة.
آخر فصول هذا المسلسل، محاولة إعادة تعيين موظفة أُوقفت بقرار من وزارة الداخلية بسبب خروقات في التعمير، في خطوة بدت للرأي العام وكأنها نكتة سوداء قيلت بوجه جامد.
القصة معروفة، ومملة لدرجة السخرية. لجنة تفتيش مركزية حلت بتمارة، فتحت ملفات التعمير، قلبت الطاولة، وخرجت بقرارات إعفاء وتوقيف، وسط تصفيق خطابي عن “الصرامة” و”المحاسبة”. يومها قيل إن الدولة قالت كلمتها. اليوم، يبدو أن الكلمة كانت مجرد همسة، سرعان ما غطاها صمت مريب.
إعادة تداول الاسم نفسه في منصب حساس ليست خطأ إداريًا عابرًا، بل تمرين عملي على اختبار ذاكرة الناس: هل ما زلتم تتذكرون؟ أم أن كثرة الفضائح جعلت واحدة إضافية تمر بلا ضجيج؟ وهنا تتحول الحكامة إلى ديكور، ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى عبارة محفوظة تُستعمل عند الحاجة، ثم تُعاد إلى الدرج.
السخرية لا تقف هنا. فبينما تتحدث الخطابات عن تشجيع الاستثمار، جاءت أخبار “التعيين المحتمل” لتدفع المستثمرين إلى الضغط على زر التجميد. مشاريع توقفت، أوراش صمتت، وكأن الرسالة وصلت بوضوح: في قطاع التعمير ببنسليمان، الاستقرار مؤقت، والمفاجآت مضمونة.
الفاعلون المحليون، بدورهم، لم يطلبوا المستحيل. فقط مسؤولًا جديدًا، بسيرة مهنية نظيفة، لا يحتاج تاريخه إلى بيانات توضيحية، ولا يثير اسمه القلق قبل أن يثير الثقة. مطلب بسيط، لكنه في هذا السياق يبدو راديكاليًا أكثر من اللازم.
أما لجان التفتيش، فقد أدت واجبها. تقارير، ملاحظات، خروقات وُصفت بالخطيرة، وتوصيات بالمعالجة الفورية. لكن “الفوري” هنا مفهوم مطاطي، يتمدد حسب الحاجة، وقد ينتهي بإعادة تدوير الأشخاص بدل تصحيح المسار.
في بنسليمان، السؤال لم يعد: كيف وقعت الخروقات؟ بل: كيف تعود الأسماء نفسها بلا حرج؟ الجواب، على ما يبدو، لا يوجد في القوانين، بل في تلك المنطقة الرمادية حيث تُدار الملفات ببرود، ويُطلب من الناس أن يصدقوا أن ما يرونه… لا يحدث فعليًا.





