حين يصل الجدل إلى باب أخنوش: من المستفيد من صفقات الدواء؟

حين يصل الجدل إلى باب أخنوش: من المستفيد من صفقات الدواء؟

يبدو أن حكومة عزيز أخنوش لم تعد في حاجة إلى معارضة قوية لتذكيرها بأعطاب تدبيرها، فبعض القرارات وحدها كفيلة بإشعال الجدل، وفتح أبواب الاتهام على مصراعيها، من “المصلحة العامة” إلى “المصلحة الخاصة”، في مسار بدا لكثيرين وكأنه اختلطت فيه الأوراق… وربما الحسابات.

آخر فصول هذا الجدل فجّرته صفقات استيراد أدوية عبر تراخيص استثنائية، قيل إن شركة تابعة لوزير التربية سعد برادة كانت من المستفيدين منها، لتخرج الأمانة العامة لـحزب العدالة والتنمية بلهجة عالية، متهمة الحكومة بـ”تفشي تضارب المصالح واستغلال النفوذ”، وكأنها تقول بلغة غير مباشرة: في حكومة أخنوش، السياسة تمشي أحيانًا جنبًا إلى جنب مع الدفتر التجاري.

الحزب لم يكتفِ بإطلاق صفارات الإنذار، بل أشاد بدور مجموعته النيابية، واصفًا أداءها في المعارضة بأنه “مسؤول وقوي”، في مواجهة ما سماه “ريعًا يتغذى من مواقع القرار”. أما الحكومة، فبدت في المقابل، وهي تشرح وتبرر وتؤكد أن تضارب المصالح “مفهوم يحتاج إلى إرادة جماعية”، وكأن الإشكال فلسفي أكثر منه عملي… بينما الأرقام والصفقات لا تعرف الفلسفة، بل لغة الأرباح.

البيان الحزبي لم يُجامِل أحدًا، واتهم الحكومة بفتح الباب واسعًا أمام “تشريع الريع”، من خلال قوانين مالية منحت إعفاءات جمركية وتخفيضات ضخمة، من 30 في المائة إلى 2.5 في المائة، لفائدة مستوردي الأدوية، دون أن يلمس المواطن أي أثر لهذا “الكرم الضريبي” في أسعار الدواء داخل الصيدليات. وهنا، يصبح السؤال الشعبي البسيط أقوى من كل البلاغات: من ربح؟ ومن دفع الفاتورة؟

أما قطاع الأدوية، الذي كان يفترض أن يكون عنوانًا للأمن الصحي، فقد تحوّل، بحسب الحزب، إلى بنك مفتوح للاختلالات: احتكار، غياب منافسة، هوامش ربح “فلكية”، ودولة تملك سلطة تحديد الأسعار، لكنها – للمفارقة – تترك السوق يحدد مصير جيوب المرضى.

ولأن الجدل لا يكتمل بلا صفقات، فقد وجّه الحزب سهامه أيضًا إلى رخص التفاوض دون إعلان ولا منافسة، التي فُتحت على مصراعيها لتأهيل وترميم المستشفيات وتجهيزها، إضافة إلى صفقات المستلزمات الطبية والنظافة والحراسة والرقمنة. صفقات تمرّ، وملايين تصرف، وسؤال الشفافية يظل عالقًا في الهواء بلا جواب شافٍ.

في النهاية، تبدو حكومة أخنوش، في نظر منتقديها، وكأنها تدير الاقتصاد بعقلية “المقاولة الكبرى”، حيث تختلط الخطة السياسية بحسابات السوق، وتتحول بعض القرارات العمومية إلى فرص استثمارية لا متناهية… بينما يُطلب من المواطن أن يكتفي بدور المتفرج، أو دافع الضرائب، أو المريض الذي يدفع ثمن العلاج مرتين: مرة من جيبه، ومرة من صمته.

وبين حكومة تقول إنها تشتغل بمنطق الكفاءة، ومعارضة تصرّ على أن “النفوذ أقوى من القانون”، يبقى تضارب المصالح في زمن أخنوش عنوانًا مفتوحًا على كل التأويلات… وساحة خصبة لسخرية سياسية لا تنضب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى